وإنما يكون الجهاد ( بالمال والنفس ) في مرحلة الإعداد للمعارك ، ولذلك قدّم هنا الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ؛ لأنّ المال ضرورة أولية لأيّ إعداد حربي .
والإمة التي تجاهد في سبيل اللّه تبني مستقبلها ، وتشيد صرح استقلالها ، وتحقّق أحلامها في المدنيَّة والرفاه . بينما المجتمع الأناني الذي يعمل كلّ فرد من أجل ذاته ومصالحه الخاصة ، فإنه سوف يتحطَّم في أول مواجهة مع عدوه ، أو ينهار عند نزول الكوارث الطبيعية ، ويذوب استقلاله في فرن الصراع الحضاري .
من هنا كان الجهاد خيراً للأمة من التقاعس . ويحتاج الناس إلى العلم بحقيقة الجهاد ، وأنه يعود عليهم بالنفع ؛ لأنه يحفظ استقلالهم ويبني حضارتهم .
إنّ هذا العلم يدفعهم للمزيد من التضحية والجهاد ؛ لذلك قال ربنا : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون .
2 - تجاهدون بأموالكم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ « 1 » .
النجاة من النار أعظم طموحات المؤمنين ، لعلمهم بأنّ الإنسان واقع في العذاب ما لم يَسْعَ للخلاص منه . ويُحدِّد القرآن طريق النجاة في الالتزام بثلاثة شروط أساسية هي :
- الإيمان باللَّه .
- التسليم للقيادة الإلهية .
- الجهاد بالمال والنفس من أجل الحق .
يبدو أنّ اللَّه قد قدّم الجهاد بالمال على النفس ؛ لأنّ الإنسان يبدأ بالجهاد بالمال ، فيصعد درجات في الإيمان إلى أن يصل إلى الجهاد بالنفس ، كما إنّ الجهاد بالمال يهيِّئ وسائل الجهاد بالنفس . هل رأيت حرباً أو مقاومة من دون أن يسبقها الإعداد لهما بالسلاح والعتاد والزاد والاعلام ، وكلّها لا تتحقّق إلَّا بالمال ؟ .
هامش
( 1 ) سورة الصف ، آية : 10 - 11 .
.