ثمّ تأويل قول السائل : « لَا أَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ ؟ » ، بعدم وجود الحلال والحرام في المال فعلًا ، بل كان في أموال ذلك الذي انتقل منه المال إليه ، هذا التأويل بعيد . إذ ظاهر العبارة كون المال ممَّا فيه الحلال والحرام مختلطين ، فهذه الرواية بالذات ظاهرة في المقام بغير ريب .
أمّا احتمال كون المراد من الرواية الأخيرة التي كان نصها : « جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( ع ) ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَصَبْتُ مَالًا أَغْمَضْتُ فِيهِ ، أَفَلِي تَوْبَةٌ ؟ . قَالَ ( ع ) : ائْتِنِي بِخُمُسِهِ . فَأَتَاهُ بِخُمُسِهِ . فَقَالَ ( ع ) : هُوَ لَكَ ، إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَابَ تَابَ مَالُهُ مَعَهُ » ؛ الخُمس الواجب في الأرباح ، فهو أبعد من ذلك بكثير ؛ حيث إنّ الرواية كادت تكون صريحة في كون المراد منها أنّ الخُمس خُمس الحرام المختلط بالحلال ، وذلك للأسباب التالية :
أولًا : جعل توبته إعطاء الخُمس ، مع أنّ خُمس الأرباح لا يكون توبةً للإغماض في مطالب الرزق حلالًا أو حراماً .
وثانياً : إنّ الإمام ( ع ) جعل المال له بعد ذلك ، قائلًا : هو لك ، مع أنّه لم يكن يحتاج إليه إذا كان المال له من الأول .
وثالثاً : إنّ ذلك مخالف للقواعد القاضية بعدم براءَة المرء عمّا نهبه وسرقه من أموال الناس إلَّا بوجه صحيح ، وليس ذلك إلَّا بالتصدق أو إرجاع المال إليه ، مع أنّه لو قلنا بأن المراد من الخُمس هاهنا خُمس الأرباح ، كان قد أكل مال اللَّه بالباطل وأقره الإمام ( ع ) على ذلك . وليس هناك أي دليل في ذيل الرواية من قوله :
« إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَابَ تَابَ مَالُهُ مَعَهُ » .
حيث إنّه يظهر منه كون المال خاطئاً ، وأنّ حليته بالخُمس ، حيث سأل السائل عن كيفيّة توبته أولًا ، فأجابه الإمام ( ع ) بأن كيفية توبة من أغمض في مطالب الحلال والحرام هو إعطاء الخُمس ، ثم علَّق على ذلك بأنّ المال قد أصبح بهذه التوبة التي تُبْتَها حلالًا لتبعية المال لصاحبَه .
نعم بقي إشكال في خبر السكوني ، حيث قال الإمام ( ع ) فيه :
« تَصَدَّقْ بِخُمُسِ مَالِكَ ، فَإِنَ اللَّهَ رَضِيَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْخُمُسِ » ،
وهو أنّ ظاهره إعطاء الصدقة ، لا الخُمس ، ويُردّ الإشكال :
أولًا : بأنه ينافي قول الإمام ( ع ) :
« فَإِنَ اللَّهَ رَضِيَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْخُمُسِ » ،
حيث
الفقه الإسلامي ( دراسة استدلالية في فقه الخمس وأحكام الإنفاق والإحسان ) — صفحة 277
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٧