الثاني : المؤونة ورأس المال
قال في العروة ( رحمه الله ) : « الأحوط إخراج خُمس رأس المال إذا كان من أرباح مكاسبه ، فإذا لم يكن له مال من أول الأمر فاكتسب أو استفاد مقداراً وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة ويتَّجر به ، يجب إخراج خُمسه على الأحوط ثم الاتِّجار به » « 1 » .
وفصَّل بعض شُرَّاحه بقوله : وحق القول في رأس المال ، وما يحتاج إليه الصانع والمحترف ، من آلات الصناعة والحرفة ، أنّها إما متَّخذة من المال المُخمس فلا خُمس فيها ، احتاج إليها أو لا . وإما أن تُتَّخذ من غيره ، وحينئذٍ إن احتاج إليها احتياج الشخص إلى لباسه ، وكسوته ، وسائر ضرورياته التي تقوم بمعاشه بحيث يكون بدونها في الحرج غير اللائق بحاله ، ولا يمكنه تحصيلها من المال المخمس ، فالظاهر كونها من المؤونة عرفاً ؛ إذ لا فرق بناءً على هذا بينها وبين أثاث البيت وغيرها مما تبقى عينها للانتفاع بها . وإن لم يكن كذلك ، بأن لم يكن احتياجه إليها احتياج الشخص إلى أثاث بيته ، وسائر ما يحتاج إليه من ضروريات معاشه ، أو يشك في أنه مثلها أو لا ، فمقتضى ظواهر كلمات جماعة من الأعلام هو وجوب الخُمس .
ويظهر من كلمات بعض الفقهاء أيضاً هذا التفصيل ، فقد قال في الغنائم : « تتميم رأس المال لمن احتاج إليه في المعاش من المؤونة كاشتراء الضيعة » « 2 » . وقال المحقق الهمداني : « نعم ، ما يحتاج إلى الانتفاع به بالفعل في تعيّشه من بستان ، أو غنم ، أو نحوهما لا يبعد أن يُعدّ عرفاً من المؤونة . وكذا ما يحتاج إليه أرباب الصنائع في صنايعهم من الآلات والأدوات » « 3 » .
وموجز القول : إن هناك فرقاً بين رأس المال الذي يحتاج إليه ، أو الأدوات التي تُقتنى لتسهيل عمله وحرفته ، أو ما يصلح به بستانه حتى يقوم بمؤونته ، بشرط أن يكون البستان مما يحتاج إليه ، بين ذلك كله ، وبين ما يجعله من الأرباح في رأس ماله ، أو يزيده من الآلات في صناعته ، أو يصلح به من الأشجار في ضيعته لكي يزيد فوائده ومغانمه في المستقبل دون
أن يكون له أي حاجة في تلك الفوائد الزائدة الآن ، فإنها لا تُعد من المؤونة ، بل هو تبديل مال بمال أصلح منه ، لكي يستثمره دون احتياج إليه .
هامش
( 1 ) العروة الوثقى ، ج 4 ، ص 284 . .
( 2 ) غنائم الأيام ، ج 4 ، ص 331 . .
( 3 ) مصباح الفقيه ، ج 3 ، ص 131 .
.