الخُمس قبل تمام السَّنة ، وإن تأخيرها إلى السَّنة رخصة وتخفيف لا عزيمة وفرض ، حيث إنّه لو قلنا بذلك يصحّ جعل سنة واحدة لجميع الأرباح ، لأنّه يقتضي إعطاء الخُمس قبل تمامية
السَّنة للربح المتأخر اللاحق ، وهذا بالذات هو الذي تقتضيه هذه الأدلة غير الثالث . فالثالث يقتضي بظاهره لزوم جعل سنة واحدة لمجموع الأرباح ، ولكنّه أيضاً غير مفيد لدى التحقيق للزوم ذلك .
وبصورة موجزة إن كانت الغاية من هذه الأدلة إثبات جواز السَّنة الواحدة ، فكأنّه لا شك فيه من حيث جواز إعطاء الخُمس في أثناء السَّنة ، وإن كان المقصود منها نفي لزوم تعدد السنوات للأرباح ، فهو في محلّه .
ومن هنا قد يُستفاد من كلمات المحقق الهمداني في مصباحه ما يرجع إلى التخيير بين أن يجعل لكل ربح سنةً خاصة ، أو يجعل للكل سنةً واحدة ، أو يبعّض فيجعل لبعض الأرباح سنةً بينما يخصّ ربحاً بسنة أخرى .
وبناءً على ذلك فلو فرضنا أنّ رجلًا ابتدأ في التكسب أو حصل له الربح في شهر محرم ، ثم بدا له في شهر ربيع أن يعيّن لنفسه سنة جديدة بعد أن تجدّد له ربح خاص في الربيع ، كان له ذلك بعد أن يحسب ربحه الماضي ، فإن عرف أنّه لا يفي ولو بمعونة الربح الجديد بمؤونة السنة من حينه ، لم يجب عليه شيء .
وإن عرف بأنه يستغني عنه في مؤونته ، ولو بسبب أرباح أخرى يفيدها في خلال السَّنة ، وجب عليه الخُمس ، ثمّ يحسب بعد ذلك مؤونته وسنته إلى الربيع القادم ، فإن زادت أرباحه عن مؤونته بعده وجب خُمسها ، وإلَّا لم يكن عليه شيء . واستدل لذلك بما يلي نصه : « ليس في شيء من الأدلة ما يوجب عليه الالتزام بسنة خاصة معينة بحيث يتعين عليه استثناء مؤونتها بالخصوص من الربح الذي اكتسبه فيها ، بل الذي تقتضيه إطلاقات الأدلة وفتاوى المعظم الذين لم يحدّدوا السَّنة حدًّا معيناً ، ويساعد عليه عمل العرف وسيرة المتشرعة ، أنّ له الخيار في أن يحصل مؤونته في أيّ سنة تفرض من ربحه الذي اكتسبه في تلك السَّنة ، فإنّ السَّنة مفهوم كليّ صادق على أي وقت يُفرض من الزمان ، إلى أن يحلّ مثل ذلك الزمان من عامه المقبل » « 1 » .
هامش
( 1 ) مصباح الفقيه ، ج 3 ، ص 143 .
.