وأما الثاني : فإن الرواية كادت تكون صريحة في الخُمس ، خصوصاً مع كون أبي نصر من أكبر علماء الشيعة وأفقههم ، واشتهار وجوب الخُمس في المعادن بينهم منذ زمان الصادقين ( ع ) لا أقل ، وقد يُؤيَّد ذلك بكون هذه الرواية وقعت بعد ما روي عنه في الصحيح عن أبي الحسن الرضا ( ع ) أيضاً قال : « سَأَلْتُهُ عَمَّا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ مِنَ الْكَنْزِ ؟ .
فَقَالَ ( ع ) :
مَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مِثْلِهِ فَفِيهِ الْخُمُسُ » « 1 » .
فيحتمل أنّ الحديثين كانا واحداً ثم انفصلا بسبب التقطيع في الروايات ، وبذلك يكون الحديث صريحاً في الخُمس دون إشكال .
وأما الثالث : فلأنّ وجوب الخُمس في الملَّاحة لا يستلزم أن يكون بإخراج واحد ، بل قد يكون بإخراجات متعدِّدة حتى إذا صار الملح مقداراً لا بأس به باعه ، خصوصاً في الذي صارت الملاحة عملًا له وشغلًا ، حيث إنّ الغالب فيه عدم الاكتفاء بالقليل منه بل بالكثير الذي يكون عشرين ديناراً على الأغلب .
وعلى أيِّ حال ، فرفع اليد عن هذه الصحيحة لرواية الملاحة جِدُّ بعيد ، ومخالف لظهورات الكلمات قطعاً .
واستُدِل للقول الثالث ، الذي ذهب إليه أبو الصلاح ( قدس سره ) فيما نُسِبَ إليه ، بما روي عن ابن أبي نصر عن محمد بن عليّ عن أبي الحسن ( ع ) قال : « سَأَلْتُهُ عَمَّا يُخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَعَنْ مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، هَلْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا ؟ .
فَقَالَ ( ع ) :
إِذَا بَلَغَ قِيمَتُهُ دِينَاراً فَفِيهِ الْخُمُسُ » « 2 » .
وأجيب عنه بوجوه :
أولًا : ضعف السند بكون الراوي مجهولًا كما حكي عن المدارك . وفيه أنّ أبي نصر من أصحاب الإجماع الذين لا يُسأل عمّن بعدهم ، خصوصاً إن كان مجهولًا وغير مطعون بضعف . هذا مضافاً إلى أنّ الخبر منجبر بالشهرة في إحدى فقرتيه ، وهي كون نصاب الغوص دينارٌ واحد ، حيث إنّ المشهور الذي لا خلاف فيه عن أحد سوى عن
هامش
( 1 ) من لا يحضره الفقيه ، ج 2 ، ص 40 . .
( 2 ) تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 124 .
.