ولبّه أظهرت له البعد وأعطته الدّلال والغنج فالح عليها في الوصال له يوما إنّك لا تليق بالوصال لمكان اخلاقك الرّدية ثمّ أنّه بعد ذلك سعى في رفع تلك الاخلاق والتّخلّق باضدادها ، فصار من معالي الاخلاق بدرجة فاق بها على أولاد الملوك وتملّك الملك بعد أبيه على أحسن القانون المطلوب من الملوك والسّلاطين .
أقول : ومن ثمّ قالوا إنّ العشق يشجّع الجبان ويجبّن الشّجاع وقد فصّلنا مراتبه وحالاته وكشفنا عن العشق الحقيقيّ والمجازي ومن قام بأحدهما أو كليهما وللتفصيل راجع كتابنا : مقامات النّجاة .
نداء إبراهيم ( ع ) للحج
في حديث الفقيه أنّ إبراهيم ( ع ) لمّا بنى البيت صعد على جبل أبي قبيس فنادى : ألا هلمّ إلى الحجّ فسمعه حتّى من في الاصلاب ولو قال هلمّوا لم يشمل إلّا الموجودين قال استاذنا المحقّق القاشاني ( قدّس سرّه ) إنّ حقيقة الإنسان موجودة بوجود فرد ما وتشمل جميع الأفراد ، وجدت أو لم توجد وأمّا الفرد الخاصّ . منه فلا يصير فردا خاصّا جزئيا منه ما لم يوجد وهذا من لطائف المعاني ، نطق به الإمام ( ع ) لمن وفّق لفهمه .
ووجه آخر وهو أنّ المقام ظاهرا يقتضي صيغة الجمع ، فالعدول عنه إلى الافراد لا بدّ له من نكتة وعلّة تناسبه وليس هي إلّا إرادة استغراق جميع الافراد من شهد ومن غاب على أنّ أهل البلاغة ذكروا أنّ استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع ونصّ عليه العلّامة الزّمخشري ، في مواضع من الكشّاف .
اللّوم
نقل عن أبي نواس ، قال : دخلت خربة فرأيت سقّاء يلوط برجل فانهزم السّقاء وبقي الرجل فعنّفته على ذلك الفعل فقال يا أبا نواس لومك لي اغراء والمرء حريص على ما منع منه فلا تلمني فنظمه أبو نواس :
دع عنك لومي فإنّ اللّوم إغراء * وداوني بالتي كانت هي الدّاء
ومقصوده من قوله هي الدّاء : الخمرة العتيقة .