تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار النعمانية — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
لئلا ينظر الناس اليه ذلك الوقت لأنهم لا يستطيعون النظر اليه من شدة أنواره ومن هذا كان عليه السّلام يقول لي مع ربي وقت لا يحتمله أحد . فان قلت قد صحّ من هذه الأحاديث ان الغناء لا يجوز بتلاوة القرآن فكيف تقول فيما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله من قوله ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن . قلت هذا حديث مجمل وقد تصدى الاعلام لتوضيح معناه على وجوه الأول ما نقله المرتضى طاب ثراه عن أبي عبيدة من أن المعنى ان من لم يستغن بالقرآن فليس منا واحتج بوروده في اللغة ، وبخبر رفعه عن عبد اللّه بن نهيك انه دخل على سعد ببيته فإذا مثال رث ومتاع رث فقال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من لم يتغنّ بالقرآن فليس منا ، قال أبو عبيدة فذكره المتاع الرث والمثال الرث يدلّ على أن التغني بالقرآن الاستغناء عن الكثير من المال والمثال ، وهو الفراش قال أبو عبيدة ولو كان التغني معناه الترجيح لطمث المحنة علينا بذلك إذا كان من لم يرجع بالقرآن ليس منه عليه السّلام وذكر عن أبي عبيدة جوابا آخر وهو انه عليه السّلام أراد من لم يحسن صوته بالقرآن ولم يرجع فيه واستدل عليه بما روى من قوله صلّى اللّه عليه وآله ان هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منا ، وقوله صلّى اللّه عليه وآله لا يأذن اللّه لشيء من الأرض الا لصوت المؤذّنين وللصوت الحسن بالقرآن . وقد ذكر أبو بكر محمد بن القسم الأنباري وجها ثالثا في الخبر قال أراد عليه السّلام من لم يتلذذ بالقرآن ويستحله ويستعذب تلاوته كاستحلاء أصحاب الطرب للغنا والتذاذهم به وسمّى ذلك تغنيا للتأثير وجواب أبي عبيدة أحسن الأجوبة وجواب أبي بكر ابعدها لان التلذذ لا يكون الا في المشتهيات وكذلك الاستحلاء والاستعذاب وتلاوة القرآن وتفهم معانيه من الافعال الشاقة فكيف يكون ملذّا مشتها ويمكن ان في الخبر وجه رابع ظهر لنا وهو ان يكون قوله يتغنى من غنى الرجل بالمكان إذا طال مقام بالمكان إذا طال مقام به ، ومنه قيل المغنى قال اللّه تعالى كأن لم يغنوا فيها أي لم يقيموا بها ، فيكون معنى الخبر على هذا الوجه من لم يقم على القرآن ويتجاوزه إلى غيره ويتعدّاه إلى سواه ولم يتخذه مغنا ومنزلا ومقاما ليس منا هذا محصل كلام المرتضى والشيخ في الأمالي ، ولا يخفى عليك ما يرد على بعض كلماته . وقد ذكر بعض السلاطين ممن عاصرناه وجها آخر لكنه في التحقيق راجع إلى ما ذكره أبو عبيدة وحاصله ان المراد بالتغني ما يشبه الغنى كالتباكي الذي ليس هو بكاء حقيقة ، وانما المراد به ما يشبه البكاء لأنه لو أراد الغنا لقال ليس منا من لم يغن والغنا حرام فأتى بلفظ التغني الذي يسلم به القارئ من حرمة الغنا ويأتي بنوع له امتياز عن الحاكي والقصاص ويكون فيه نوع حسن شبيه بالغناء .