ووصفهم وذلك انهم خصوصا العلماء انما شوقهم إلى لذاتهم المعنوية واما هذه اللذات الحسية كالنكاح واضرابه فلا يهتمون بالتلذذ به كمال الاهتمام بل أكثر قصدهم بغشيانهم النساء انما هو امتثالهم السنة فيكون شوق المرأة إلى تلك الحاجة أزيد وأعظم فيأتي الولد متصفا بأوصافها بعيد الوصول إلى معالي أبيه وصفاته .
ووجه آخر قريب من هذا ويوافقه أقوال الأطباء وهو ان النطفة انما تتكون من الغذاء وكلما كان الغذاء الطف والطبيعة متوجهة إلى طبخه ونضجه وجره إلى مجاريه كانت النطفة ارقّ والطف ، فأما العلماء ومن نحى نحوهم فان طبايعهم الشريفة اجلّ من أن تتوجه إلى الغذاء وطبخه ونضجه حتى يحسن تكون النطفة ونضجها الا القليل في قليل من الاقات وقال الصادق عليه السّلام من نعم اللّه عزّ وجل على الرجل ان يشبهه ولده وهذه النطفة هي التي روى عمار الساباطي قال سأل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الميت هل يبلى جسده ؟ قال نعم حتى لا يبقى لحم ولا عظم الا طينته التي خلق منها ، فإنها لا تبلى تبقى منه في القبر مستديرة حتى تخلق منها كما خلق أول مرة وقوله عليه السّلام مستديرة الظاهر أنه مأخوذ من دار يدور دورانا يعني منتقلة من حال إلى حال ومن شأن إلى شأن في جميع مراتب التغيير لكنها باقية في ذاتها حتى يخلق منها كالخلق أول مرة وقد يفسر بمعنى مدورة بناء على صيرورتها بسيطة أو يجعل كناية على كثرة استمدادها بناء على أن الدائرة أوسع الاشكال ، ولا يخفى ما في هذين من التكلّف والركاكة .
فان قلت كيف طريق التوفيق بين هذا الخبر وبين ما رواه شيخنا في الكافي عن الصادق عليه السّلام وقد سأل عن علة تغسيل الميت غسل الجنابة فقال ان اللّه خلق خلاقين فإذا أراد ان يخلق خلقا امرهم فأخذوا من التربة التي قال في كتابه منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى فعجن النطفة بتلك التربة التي يخلق منها بعد ان اسكنها الرحم أربعين ليلة فإذا تمت له أربعة اشهر قال يا ربّ تخلق ما ذا ؟ فيأمرهم بما يريد من ذكر أو أنثى ابيض أو اسود فإذا خرجت الروح من البدن خرجت هذه النطفة بعينها منه كائنا ما كان ، صغيرا أو كبيرا ، ذكرا أو أنثى فلذلك يغسل الميت غسل الجنابة وظاهر هذا الحديث ان تلك النطفة لا تصل معه إلى القبر بل تخرج منه حال الموت اما قبل خروج الروح أو بعده ، وفي الاخبار انها تخرج تارة من عينيه بهيئة الدموع وأخرى من فمه كالزبد قلت يمكن ان يقال في وجه الجمع أمران .
الأول ان الخارج منه حال الموت هو نطفة المنمى ومن ثم أوجبت الغسل والذي يبقى معه في القبر انما هو التراب الذي يؤتى به إلى النطفة ويمزج معها الثاني ان يكون الخارج منه وقت الموت بعض تلك النطفة والباقي بعض آخر وقوله عليه السّلام فلذلك يغسل الميت غسل الجنابة
الأنوار النعمانية — صفحة 128
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص١٢٨