البكاء ، ومنها ان الولد إذا خرج إلى دنيا واسعة المجال بعد ما كان في ظلمات لكن سبحانه يلهمه الموت والفناء والاستعداد لاهوالها ومصائبها وما يجري عليه من التعب والعنا فيفهم هذا المعنى ويعقله فعند ذلك يشرع في البكاء فزعا وخوفا مما رآى ، ومن ثم كان يوم الولادة من الأيام الثلاثة التي لا أصعب منها على ابن آدم ولهذا سلّم اللّه سبحانه فيها على يحيى بن زكريا وجعله سالما من آفات هذه الأيام الثلاثة ، فقال وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ، وكذلك قال عيسى عليه السّلام والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيا ، والمراد بالسلام فيه على ما قاله المفسرون الامن من الأهوال والسلامة من الآفات فجعل سبحانه يوم الولادة لا ليوم القيامة في المصائب والأهوال .
فان قلت ما معنى ما روى من قول الصادق عليه السّلام أكبر ما يكون الانسان يوم يولد وأصغر ما يكون يوم يموت ، قلت له معنان أحدها ان يكون المراد بالكبر والصغر الغرّة والذل بحسب الدنيا وثانيها ان يكون اكبريته باعتبار انه أول أيام تحصيل الكمال والقرب من اللّه بخلاف وقت الموت فإنه وقت انقطاع تحصيل الكمال وهذان الوجهان للمحقق سلطان العلماء .
وثالثها ان يوم الولادة أكبر باعتبار الاجتماع فيه بين الروح والبدن ويوم الموت هو يوم افتراقهما ورابعهما ان يوم الولادة الانسان خال فيه عن المعاصي بخلاف يوم الموت فإنه قد تحمل من المعاصي وخامسها ان يوم الولادة أكبر أحوال الانسان باعتبار استجماعه لجميع عمره بخلاف يوم الموت فيكون ردا على ما تعارف في العادات من قولهم هذا صغير السن وهذا كبير ، وقد ذكرنا له وجوها أخرى في الهدية .
فإذا خرج يخرج على رأسه سوى الأنبياء والأئمة عليهم السّلام فإنهم يخرجون وقوفا على أرجلهم صونا لهم عن الانتكاس ، واما قول مولانا زين العابدين عليه السّلام في الدعاء الثاني من الصحيفة في الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وآله من أنه ترك مكة التي هي مسقط رأسه ابتغاء وجه اللّه فالظاهر أنه كناية عن محل الولادة فإذا تولّد اذّن في أذنه اليمنى وأقيم في اليسرى ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وآله انهما عصمة من الشيطان الرجيم ، وينبغي تحنيكه بالتمر وعن السجاد عليه السّلام انه إذا بشّر بالولد لم يسأل أذكر هو أم أنثى حتى يقول سويّ فإن كان سويّا قال الحمد للّه الذين لم يخلق مني شيئا مشوها .
واما تهنية الولد فدعاؤه رزقك اللّه شكر الواهب وبارك لك في الموهوب وبلغ اشدّه ورزقك اللّه بره ، واما التوأم فأكبرهما ما رواه أحمد بن اشيم عن بعض أصحابه قال أصاب رجل غلامين في بطن فهناه أبو عبد اللّه عليه السّلام ثم قال أيهما أكبر ؟ فقال الذي خرج أولا فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام الذي خرج آخر هو أكبر اما علمت أنها حملت بذلك أولا ، وان هذا دخل على
الأنوار النعمانية — صفحة 126
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص١٢٦