منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجئ
أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية ، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة
إلا كتب اسمه وقربه وشفعه ، فلبثوا بذلك حينا ، ثم كتب إلى عماله أن
الحديث في عثمان قد كثر ، وفشا في كل مصر ، وفي كل وجه وناحية ، فإذا
جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء
الأولين ، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني
بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إلي وأقر إلى عيني ، وأدحض لحجة أبي
تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله فقرئت كتبه على الناس ،
فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجرى الناس في
رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى
معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير والواسع ، حتى
رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم
وحشمهم ، فلبثوا بذلك إلى ما شاء الله . . ، فظهرت أحاديث كثيرة
موضوعة ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء ، والقضاة والولاة . . .
الحديث ( 261 )
وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين
وأعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال : إن أكثر الأحاديث الموضوعة
في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم
يرغمون به أنوف بني هاشم ( 262 ) .
وكانت لمعاوية قبل هذا سابقة في الوضع والدس ، ومنها ما روى الطبري
عنه ، أنه لما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره ، شق عليه ذلك ، لما
يعرف من حزمه وبأسه ، وأظهر الناس قبله : أن قيس بن سعد قد تابعكم ،
هامش
( 261 ) في شرح " من كلام له وقد سأله سائل عن أحاديث البدعة " من شرح النهج 3 / 15
16 ، أورد ابن أبي الحديد الروايتين المرويتين عن ( المدائني ) .
( 262 ) المصدر السابق ، وفجر الاسلام ص 213 .