فأعرض عنه ، ثم قال : من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه وهو
مقتول ؟ فقال الفتى : أنا ، فدفعه إليه ، فدعاهم فقطعوا يده اليمنى فأخذه
بيده اليسرى ، فدعاهم فقطعوا يده اليسرى ، فأخذه بصدره والدماء تسيل
على قبائه فقتل !
وفي رواية أخرى للطبري : فقال علي لأصحابه : أيكم يعرض عليهم
هذا المصحف وما فيه فإن قطعت يده ، أخذه بيده الأخرى ، وإن قطعت
أخذه بأسنانه قال فتى شاب : أنا ، فطاف علي على أصحابه يعرض عليهم
ذلك فلم يقبله إلا ذلك الفتى ، فقال له علي : أعرض عليهم هذا ، وقل : هو
بيننا وبينكم من أوله إلى آخره ، والله في دمائنا ودمائكم ، فحمل على الفتى
وفي يده المصحف . فقطعت يداه . فأخذه بأسنانه حتى قتل .
فقال علي : الآن وجب قتالهم ، فقالت أم الفتى ، أم ذريح العبدية بعد
ذلك فيما ترثي : وقال أبو مخنف : فقالت أم ذريح العبدية في ذلك :
لا هم ! إن مسلما دعاهم * يتلو كتاب الله لا يخشاهم
وأمهم قائمة تراهم * يأتمرون الغي لا تنهاهم
قد خضبت من علق لحاهم ( 228 )
وقال ابن أعثم : إن الفتى كان من مجاشع ، وتقدم أحد خدم عائشة
فضربه بالسيف وقطع يده .
قال المسعودي : وقام عمار بن ياسر بين الصفين وقال : أيها الناس !
ما أنصفتم نبيكم حيث كففتم عتقاء تلك الخدور ، وأبرزتم عقيلته للسيوف .
وعائشة على جمل في هودج من دفوف الخشب ( * ) وقد ألبسوه المسوح ( * )
وجلود البقر وجعلوا دونه اللبود ( * ) قد غشي على ذلك بالدروع ، فدنا عمار
هامش
( 228 ) الطبري ، ط . أوروبا 1 / 3186 .
( * ) الدفوف : واحدها الدف ، وهو صفحة الشئ .
( * ) المسوح : واحدها المسح ، وهو الكساء من الشعر ، بساط من الشعر .
( * ) اللبود : واحدها اللبد ، ما يجعل على ظهر الفرس تحت السرج .