استمداد علي من الكوفة وخطبته فيهم :
أما علي فقد كان أرسل ابنه الحسن إلى أهل الكوفة يستنفرهم ، فلما قدموا
إليه قام فيهم خطيبا فقال :
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآخر
المرسلين ، أما بعد . فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله إلى الثقلين كافة ، والناس في
اختلاف والعرب بشر المنازل ، مستضعفون لما بهم ، فرأب الله به الثأي ( * ) ،
ولام به الصدع ( * ) ، ورتق به الفتق ، وأمن به السبيل ، وحقن به الدماء ،
وقطع به العداوة الموغرة ( * ) للقلوب ، والضغائن المشحنة ( * ) للصدور ، ثم
قبضه الله تعالى مشكورا سعيه ، مرضيا عمله ، مغفورا ذنبه ، كريما عند الله
نزله . فيا لها من مصيبة عمت المسلمين ، وخصت الأقربين ، وولي أبو بكر
فسار فينا بسيرة رضا ، رضي بها المسلمون . ثم ولي عمر فسار بسيرة أبي بكر
رضي الله عنهما . ثم ولي عثمان فنال منكم ونلتم منه . ثم كان من أمره ما كان ،
أتيتموه فقتلتموه ، ثم أتيتموني فقلتم : لو بايعتنا ؟ فقلت : لا أفعل ، وقبضت
يدي فبسطتموها ، ونازعتكم كفي فجذبتموها وقلتم : لا نرضى إلا بك ، ولا
نجتمع إلا عليك ، وتراكمتم علي تراكم الإبل الهيم على حياضها يوم
ورودها ، حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعضا ، فبايعتموني ،
وبايعني طلحة والزبير ، ثم ما لبثا أن استأذناني إلى العمرة . فسارا إلى البصرة
فقاتلا بها المسلمين ، وفعلا بها الأفاعيل ، وهما يعلمان والله أني لست بدون من
مضى ، ولو أشاء أن أقول لقلت : اللهم إنهما قطعا قرابتي ، ونكثا بيعتي ، وألبا
هامش
* رأب الله بن الثأي : أصلح به الفساد .
* لام به الصدع : أصلحه .
* الموغرة : الموقدة في الصدر .
* المشحنة أي الموغرة ، يقال شحن عليه ، كفرح - إذا حقد .