الاختلاط في العقل ، والناس يفرجون لي ، وعيني لا تفارقه ، حتّى انقطع عن الناس ، فكنت اسرع الشدّ خلفه - وهو يمشي على تُؤَدة « 1 » السير - ولا ادركه ، فلمّا حصل بحيث لا أحد يراه غيري وقف والتفت إليّ فقال : هات ما معك .
فناولته الرقعة . فقال - من غير أن ينظر إليها - : قل له : لا خوف عليك في هذه العلّة ، ويكون ما لا بدّ منه بعد ثلاثين سنة .
قال : فوقع عليّ الزَّمَع « 2 » حتّى لم أطق حراكاً ، وتركني وانصرف .
قال أبو القاسم : فأعلمني بهذه الجملة ، فلمّا كان سنة سبع وستّين « 3 » اعتلّ أبو القاسم ، وأخذ ينظر في أمره ، وتحصيل جهازه إلى قبره ، فكتب وصيّته واستعمل الجدّ في ذلك .
فقيل له : ما هذا الخوف ونرجو أن يتفضّل اللَّه بالسلامة ، فما عليك بمخوفة ! فقال : هذه السنة التي خُوّفت فيها .
فمات في علّته « 4 » .
41 - الغيبة للطوسي :
حدّثني أبو جعفر محمّد بن هارون بن موسى التلعكبري قال : حدّثني أبو الحسين بن أبي البغل الكاتب قال : تقلّدت عملًا من أبي منصور بن الصالحان « 5 » ،
هامش
( 1 ) - التُّؤَدة : التّأنّي والرزانة ، ضدّ التسرّع « مجمع البحرين ح 1 ص 278 » . .
( 2 ) - « الدمع » البحار . والزَّمَع - محرّكة - : شِبه الرعدة تأخذ الإنسان ، والدَّهش والخوف « القاموس ج 3 ص 49 » . .
( 3 ) - جمع المجلسي بين هذا وما ذكره الشيخ في رجاله ص 458 رقم 5 من أنّ ابن قولويه مات سنة ثمانوستّين وثلاثمائة قائلًا : كان وفاته في أوائل الثمان ، فلم يعتبر في هذا الخبر الكسر لقلّته ، مع أنّ إسقاط ما هو أقلّ من النصف شائع في الحساب . « البحار ج 52 ص 59 » . .
( 4 ) - الخرائج والجرائح ج 1 ص 475 ح 18 ؛ عنه البحار ج 52 ص 58 ح 41 ، وج 99 ص 231 ح 26 . .
( 5 ) - كان وزيراً لبعض الحكّام البويهيّين حدود سنه 380 ه . انظر « تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 537 وص 539 ، والكامل لابن الأثير ج 7 ص 406 » . .