دليلٌ على إضمارهم المخالفة في زمن الأوّلَين ، وقلّة القائل لا يدلّ على فساد القول ، وقد قال خالق القول في أحسن القول : « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ » « 1 » .
الدليل الثاني على خلافة أبي بكر : إنّها إمّا ثابتة لأمير المؤمنين علي عليه السلام بالنصّ ، أو لأبيبكر بالإجماع ، إذ لا ثالث لهما عند وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وحيث لم تثبت الأولى ثبتت الثانية بلا معارض ، لأنّه لو كان نصٌّ لكان ظاهراً على كثير من أصحاب السقيفة ، ولو كان لأظهروه وحسموا به مادّة النزاع ، ولكان أميرُالمؤمنين عليه السلام استند به عند إبائه عن البيعة ، واللّازم منتفٍ فالإجماع بلا مُعارض .
أقول أوّلًا : بيّنّا النصّ على إمامة عليّ عليه السلام من طريق العقل ، وسنبيّن إن شاء اللَّه من طريق الكتاب والسنّة .
وثانياً : إنَّ الخلافة إن لم تكن من الدين ، فما بالهم هكذا يقصدون له ويعتنون لشأنه ، ويعيّرون من خالفهم ، ويلومون من ألبّ على عثمان وأراد عزله ؛ فإنّه ليس إلّا السلطنة ، والسلاطين ينازعون بعضهم بعضاً في سلطانهم ، ولا يتعرّض لهم الديّانون من أهل المملكة ما لم يتعرّضوا لدينهم .
وإن كان من الدين فما بال الشارع لم يبيّنه لنا وقد قال اللَّه تعالى : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » « 2 » ، وهل يكمل الدين قبل بيان طريق الخلاص إن عميت على الناس الأنباء ، وتشعّبت بهم الأهواء ، وزُلزلوا عن المحجّة البيضاء ؟ ! لا سيّما هذا الزلزال الّذي لا يرتفع غباره ، ولا يؤمن عثاره ، حتّى يقوم قائد الدين ، وذائد المنافقين .
وهل يتصوّر أن يكون شيء في الدين وشرعه غير الشارع « أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ
هامش
( 1 ) - البقرة : 249 . .
( 2 ) - المائدة : 3 . .