بإتيان سورة مثله فظهر عجزهم ، وإلّا لما رأوا الفلاح في مقارعة السيوف ومطاعنة الرماح ، وهل ذلك إلّالكونه مُنزلًا من عند من لا يعتريه التغيير واختلاف الأحوال ، ولا يُدانيه الضعف والنكال بمرور الشهور وتكرّر الأحوال .
فإن قلت : قد مضى « 1 » في حديث ابن أبي العوجاء أنّه وشريكيه كفوّا عن المعارضة بعد ما رأوا الآية المخصوصة ، فكأنّه لها في الفصاحة مرتبة ليست لغيرها .
قلت : نعم بعض المعاني أكثر قبولًا لفنون الفصاحة ، وبعض الألفاظ أشدّ ظهوراً عند الاستصباح بنور البلاغة ، فلا ضير لو كان بعض الآيات بادي بدء كافّاً عن حلول حرمه ودخول حماه ، ولا يُوجب أن لا يكون غيره أيضاً كذلك بعد التأمّل وإمعان النظر .
والمقصود أنّ كلّ معنى بحسب حاله ادّي بحيث يعجز البشر عن أدائه بهذه المثابة في الفصاحة والبلاغة ؛ فإن كان أعلام الفصاحة في بعض الآيات أشهر لاستعداد معانيه ، لا ينافي كون الباقي أيضاً ممّا لا يأتي بمثله البشر ، بل لا يدانيه .
ومنها : الإخبار عن المغيّبات والإنباء عن المكنونات ، فإنّه ربّما أضمر الكفّار والمنافقون أمراً أفشاه اللَّه بلسان القرآن على رسوله صلى الله عليه وآله حتّى أنّه « يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ » « 2 » .
وفي إحصاء الآيات المنبئة عن الضمائر والمغيّبات ، إطناب يوجب الخروج عن القانون الّذي بني عليه الكتاب ، فلنشرع في القسم الثاني .
القسم الثاني ، وهو أيضاً أمور :
منها : إنّا نجد من عند أنفسنا حلاوة لتلاوته واهتزازاً عند قراءته ، فإنّ كلّ كلام يوجب تكراره الكسالة والملالة إلّاالكلام الرّبانيّ ، فإنّ قراءته وإن تكثّرت وتكرّرت لا تزيد إلّاتهيّجاً للنّفس ولذّةً للرّوح .
هامش
( 1 ) - انظر ص 63 - 64 . .
( 2 ) - التوبة : 64 . .