أمر العباد .
والأمر بالإعراض عن الجاهلين الّذين لا يصلحهم النصيحة ولا يؤثّر فيهم الموعظة ، للتحفّظ من شرّهم والتّوقّي من ضرّهم ، ولئلّا يؤول الأمر إلى نهاب النفوس وذهاب الأموال ، وهو مدلول قوله تعالى « وأعرض عن الجاهلين » .
وقريبٌ من هذه الآية الكريمة ، الآية المباركة : « إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » « 1 » ، فعن النبي صلى الله عليه وآله : «
جماع
التقوى في قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ » » الآية « 2 » .
وقيل : لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية ، لصدق عليه أنّه تبيان لكلّ شيء « 3 » .
والسرّ واضح بالتقريب المتقدّم ، بل هذه أشمل كما لا يخفى على مَن تأمّل .
ومنها : موافقة النظم وعدم اختلاف الترتيب « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » « 4 » ، فإنّ كلّ من أمعن النظر وتأمّل في مطاوي القرآن وتدبّر ، أذعن بأنّه من الافتتاح إلى الاختتام في براعة اللفظ وبداعة النظام وتأدية المُراد وسلامة المعنى ، بلغ في الفصاحة والبلاغة الغاية القصوى الّتي لا تنالها أيدي الفصحاء ، والمرتبة العليا الّتي لا تبلغها أوهام البلغاء ، أين الثريّا من يد المتناول ؟ ! فإنّ الإنسان لما فيه من اختلاف الأحوال وامتزاج الأخلاط لا يمكنه أداء المعاني المختلفة في الأزمان المتفاوتة على نسقٍ واحد .
والعيان على ذلك من أوثق الشواهد ، فانظر إلى خُطب البلغاء وقصائد الفصحاء ، كيف يتفاوت الفصاحة والبلاغة فيها ، بل كلّ خطبة أو قصيدة بعض كلماتها أو أشعارها أحلى من بعض ، وليس القرآن كذلك ، كيف وقد افتتنهم
هامش
( 1 ) - النحل : 90 . .
( 2 ) - مجمع البيان : 1 / 67 ، روضة الواعظين : 437 . .
( 3 ) - تفسير البيضاوي : 3 / 417 ، تفسير الصافي : 4 / 348 . .
( 4 ) - النساء : 82 . .