الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ » « 1 » إنّه في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود ، لاشتماله على البسملة الدالّة على ذات الصانع وصفاته ، والنهي عن الترفّع الّذي هو امّ الرّذائل ، والأمر بالإسلام الجامع لُامّهات الفضائل ، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجّة على رسالته حتّى يكون استدعاءً للتّقليد ، فإنّ إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الأدلّة « 2 » .
وفي قوله تعالى : « خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » « 3 » قال الصادق عليه السلام :
« أمر اللَّه تعالى نبيّه صلى الله عليه وآله بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها
» . « 4 » أقول : ولعلّ السرّ في ذلك أنّ مكارم الأخلاق على ثلاثة أقسام ، منها ما هو مستحسن في حدّ ذاته ، ومنها ما هو كذلك بملاحظة الناس وإصلاح أمورهم ، ومنها ما هو كذلك إذا أراد سلامته وإصلاح نفسه في الحشر مع الناس .
فالأوّل ، مدلول قوله تعالى : « خُذِ الْعَفْوَ » ، فإنّ العفو من كلّ شيءٍ وسطه ، قال اللَّه سبحانه : « يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ » « 5 » ، أي « وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ » « 6 » ؛ فالأمر بأخذ عدل كلّ شيء ووسطه هو الأمر بالتخلّق بالأخلاق المُستحسنة في ذاته من دون ملاحظة غيره .
والثاني ، مدلول قوله سبحانه : « وأمر بالعرف » « 7 » ، فإنّه حسنٌ لمافيه منإصلاح
هامش
( 1 ) - النمل : 29 - 31 . .
( 2 ) - تفسير البيضاوي : 4 / 266 . وراجع تفسير الصافي : 5 / 374 ، والأصفى : 2 / 907 . .
( 3 ) - الأعراف : 199 . .
( 4 ) - تفسير الثعلبي : 4 / 318 ، وانظر فتح الباري : 10 / 389 ضمن رقم 4644 . .
( 5 ) - البقرة : 219 . .
( 6 ) - الإسراء : 29 . .
( 7 ) - الأعراف : 199 . .