وقال الآخر : وكذا أنا لمّا وجدت قوله تعالى : « فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا » « 1 » كففت عن المعارضة .
إلى أن قال : وكانوا يسرّون « 2 » ذلك ، إذ مرّ عليهم الصادق عليه السلام فالتفت إليهم وقرأ عليهم : « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » « 3 » ، فبُهِتوا « 4 » .
وإنّا وإن لم نكن من أهل اللسان ، ولم نعرف فصاحة هذا اللسان حقّ معرفتها ، إلّا أنّا إذا ذكّرنا بشيءٍ منها نجد من عند أنفسنا كما وصف لنا .
قيل : مرّ الأصمعي بامرأة فصيحة فتعجّب من فصاحتها واستحسنها ، فقالت : لا فصاحة بعد قوله تعالى : « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » « 5 » ، فإنّه تعالى جمع فيه بين أمرين ونهيين « 6 » وبشارتين « 7 » .
أقول : لا يخفى ما في كلّ من الأمر والنهى والبشارة من الترقّي في مقامه ، فإنّ الأمر فيه أمر بالتوكّل ، والتوكّل في إلقائه في اليمّ أتمّ منه في إرضاعه . والنهي عن الجزع يعني لا تجزعي كلّ الجزع فتخافي ولا قليلها فتحزني . والبشارة بجعله مرسلًا أكثر منها بردّه إليها .
وقيل في تفسير قوله تعالى : « إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّه
هامش
( 1 ) - يوسف : 80 . .
( 2 ) - في النسختين « يستترون » ، وما أثبتناه من الخرائج والبحار . .
( 3 ) - الإسراء : 88 . .
( 4 ) - الخرائج والجرائح : 2 / 710 ح 5 ، عنه البحار : 17 / 213 ح 19 ، وج 92 / 16 ح 15 . .
( 5 ) - القصص : 7 . .
( 6 ) - بزيادة « وخبرين » التفسير . .
( 7 ) - التفسير الكبير ( البحر المحيط ) لأبي حيان : 7 / 105 ، وانظر مجمع البيان : 7 / 441 . .