تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفريغ الفؤاد لمعرفة المبدأ والمعاد — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
الرّحيق ، « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » « 1 » . ومن كمال فضله وعنايته جعل الدليل المرشد من أنفسهم ، لأنّ المجانسة تورث المؤانسة ، وهي تقرّب البعيد وتسهّل العسير الشديد ، « وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ » « 2 » و « لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السماءِ مَلَكاً رَسُولًا » « 3 » . فإن قيل : لأيّ شيءٍ لم يتيسّر لكلّ إنسان أن يتشرّف بتشريف الإلهيّ فيخاطب بالخطاب الشفاهي ، لحصول الوصول إلى المأمول من دون حاجةٍ إلى الرّسول ؟ قلت : إنّ الإنسان قد احتجب بعد تعلّق روحه بهذا الجسد الكثيف عن إدراك ما فوقه من العالم المجرّد اللطيف ، وهذا أمرٌ وجداني لا ينبغي إنكاره ، فلا يدرك شيئاً من مبصراته ومسموعاته ومشموماته ومذوقاته وملموساته إلّابترك العلائق ، فلو تركت لانفتح من القلب باب إلى العالم الأعلى ، فيرى منه حينئذٍ ملكوت السماوات والأرض ، ويرى أشخاص الملائكة ، ويسمع أصواتهم ، واللَّه يقدر على ذلك « وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » « 4 » إلّاأ نّه بذلك يختلّ نظام العالم ويتزلزل أساس معاش بني آدم . وأمَّا الَّذينَ سَبَقَتْ لهم من اللَّه الحسنى أولئك مُبعدون « 5 » عن التعلّق بهذا الأرذل الأدنى ، صُفيت لهم المشارب وقضيت لهم من وصل ربّهم المآرب ، زهدوا عن علائق عالم الناسوت واتّصلوا بعالم الملكوت ، فلا يخفى عليهم شيء من سرّ وعلن ، فيشمّون رائحة الرّحمن من جانب اليمن ، فهم الّذين استبقوا الكروبيّين فسبقوهم بمراحل شتّى ، ووصلوا في مقام القرب إلى قاب قوسين أو أدنى ، فارتفع الحجاب ، وانعزل البوّاب ، فأخذوا من محبوبهم بلا واسطة ، فهذا مقام الولاية ، فإن أمروا بإبلاغه إلى الناس حازوا مقام النبوّة والرسالة .
هامش
( 1 ) - الأنفال : 42 . . ( 2 ) - الأنعام : 9 . . ( 3 ) - الإسراء : 95 . . ( 4 ) - النحل : 9 . . ( 5 ) - اقتباسٌ من الآية 101 من سورة الأنبياء . .