المرحلة الثالثة : في إثبات نبوّة نبيّنا صلى الله عليه وآله
لا يخفى على المتأمّل الدقيق ، الشارب زلال الرّحيق من كأس التحقيق ، أنّ أدلّ الدلائل وأمتنها وأوثق الشهود وأثبتها على ثبوت الرّسالة هو دعوة النبي صلى الله عليه وآله ، فالعقل السليم إذا خلّي وطبعه يعرف صحّة المدّعى وبطلانه من أصل الدعوى .
بيان ذلك : أنّ اللَّه تعالى إنّما قيّد الرّوح العلوي بهذا العالم الكثيف وابتلاه بكلّ آفةٍ ومخافة ، مع ما كان له من التجرّد واللطافة ، لتكميله وتصفيته حتّى يستعدّ لقبول الودائع والأسرار ويتهيّأ لتجلّي الأنوار كما يصفو النُّضار « 1 » بالنار ، وليس ذلك لتحصيل مشتهيات النفس الّتي عاقبتها إلى الفناء والزوال ، وإلّا لزم الظلم على الرّوح .
ثمّ إن كان دعوة الرّسول صلى الله عليه وآله إلى ما ينتهي إلى ارتقاء الرّوح من حضيض عالم الطبيعة إلى أوج عالم الملكوت ، حكم العقل بصحّة دعوته وصدق مقالته ، وما احتيج إلى إظهار المعجزات وخوارق العادات . ومن هنا يُعلم سرّ إيمان طائفة من الصحابة قبل أن يتشرّفوا بخدمة الرّسول صلى الله عليه وآله ويروا الآيات والبيّنات ، كأمثال سلمان الفارسي وأويس القرني ، وذلك لأنّ أنفسهم كانت تابعة للعقول ، فاتّبعوا دعوة الرّسول صلى الله عليه وآله ، وإلى هذا يشير كلام الإمام مولانا أمير المؤمنين صلوات اللَّه وسلامه عليه «
اعرفوا اللَّه
هامش
( 1 ) - النضار : الذهب ( النهاية : 5 / 71 ) . .