وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ » « 1 » .
وأمّا إذا غلب العقل دارى النفس ورافقها حتّى يسدّدها ويوافقها ، ولا تزال كذلك حتّى تنقاد للعقل وينصرف وجهها بالكلّيّة عن الشرّ إلى الخير ، وتبلغ إلى محلّ الاطمئنان ، وقبل البلوغ إلى هذا المحلّ الرّفيع يكون في مقام اللوم والتقريع فتكون النفس لوّامة ، ثمّ مطمئنّة .
ثمّ إنّه لابدّ للعقل أيضاً « 2 » من مشير يؤيّده وهادٍ يرشده ، إذ ليس له علمٌ بجميع طريق « 3 » الخير والشرّ ، ومسالك النفع والضرّ ، فعلى اللَّه بمقتضى لطفه وعنايته - لا سيّما هذه العناية الكلّيّة الّتي أشرنا إليها - نصبه وتعيينه ، لئلّا يقول أحد : « لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى » « 4 » .
وأيضاً المقصود الأصلي من خلق الإنسان - الّذي خلق لأجله جلّ ما سواه - هو تحصيل معرفة اللَّه الّتي لا سبيل إليها لعباده إلّابهدايته وإرشاده ، والمراد ليس معرفة الكنه لاستحالة الإحاطة به بل معرفة الأسماء والصفات ، فهي الغاية القصوى لهذا الخلق السديد ، والمقصد الأقصى « لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » « 5 » ، والسلوك في طريق ذي شعب يشتبه سويّها على السالك ، فيه خطر الوقوع في المهالك ، فليس له ذلك إلّابدليل يرشده إليه ، ونور يسع بين يديه ، وإلّا فالطريق مسدود ، والسالك بالخيبة مردود ، والباب لمّا يفتح ، والليل لمّا يصبح ، فلولا رحمة اللَّه لأصبح الإنسان « كالّذي اسْتَهوَتْهُ الشّياطِينُ فِي الأرضِ حَيْرانَ » « 6 » لا يهتدي سبيلًا ولا يجد مستقرّاً ومقيلًا ، فغياث رحمته أغاث المستغيثين من بريّته ، حيث استصرخوا بلسان الاستعداد ، وطلبوا الوصول إلى ما أخفي لهم من قرّة أعينهم ، فأنهج لهم الطريق وهيّأ لهم مختوم
هامش
( 1 ) - إبراهيم : 22 . .
( 2 ) - ليس في « ع » . .
( 3 ) - كذا ، والأنسب « طرق » . .
( 4 ) - طه : 134 . .
( 5 ) - ق : 37 . .
( 6 ) - الأنعام : 71 . .