سرّاً وباطناً ، وميكائيل واسطة الرّزق من اللَّه تعالى إلى بني آدم ، وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين والتوّابين منهم .
وبالجملة : كلّ ما في العالم مسخّر له إمّا لإصلاح معاشه أو لتعمير معاده . ثمّ إنّ دلائل فضيلة الإنسان أكثر من أن تحصى ، إلّاأنّ فيما ذكرناه كفاية لُاولي النهى .
إذا تمهّد هذا فنقول : لمّا ركّب اللَّه سبحانه بقويم مصلحته وقديم مشيّته بين الرّوح الّذي هو من أعلى علّيّين والجسم الّذي هو من أسفل سافلين ، حصل من هذا التركيب والتزويج ثمرتان ونتيجتان : العقل والنفس .
أحدهما : يشبه الرّوح ويطلب العلوم والمعارف والمقامات العالية وهو العقل .
والآخر : يشبه الجسم في طلب المآكل والمشارب والملابس والمناكح وما يترتّب عليها .
فهذان في ملك الجسد يتشاجران ويتنازعان ، فأيّهما غلب ملك ، وكانجميع الأعضاء والجوارح والقوى الظاهرة والباطنة من أعوانه ، وحصول الغلبة إنّما هو بمتابعة القلب الّذي هو أمير هذا الجيش .
فإن كان غلبت النفس وملكت ، انعزل العقل وصار مقهوراً لا يعبأ به ولا بقوله ، ولا يزال كذلك حتّى يضمحلّ كلّ الاضمحلال ، ويغلب « 1 » سلطان النفس على جميع الأعضاء والجوارح ، ويصير كلّها منقادة لها ، مطيعة لأوامرها ونواهيها ، ولا يزال يأمرها بمساوي الأعمال ، ويرشدها إلى طريق الغيّ والضلال ، وهذا مقام أمّاريّة النفس ، مشيرها وهاديها في كلّ حالٍ الطريدُ اللعين الشيطان الرّجيم ، فإنّه مطّلع على طريقَي الخير والشرّ ، ينهاها عن المعروف ويأمرها بالمنكر حتّى يُدخلها النار ، ففيها يتنازعان ، ويقول الشيطان : « وما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي
هامش
( 1 ) - في النسختين « يبلغ » ، والظاهر سهو . .