تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفريغ الفؤاد لمعرفة المبدأ والمعاد — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
لا تَعْلَمُونَ » « 1 » ، ثمّ ابتلاهم بِعلم الأسماء ، فوجدوا آدم عليه السلام مليّاً وعجز أنفسهم بيّناً جليّاً فقالوا : « لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا » « 2 » . فإن قيل : علم آدم عليه السلام للأسماء إنّما هو بتعليم اللَّه تعالى ، فلو علّمها الملائكة أيضاً كانوا عالمين ، فما وجه فضيلة آدم عليه السلام عليهم ؟ قلت : مقتضى لطفه وجوده سبحانه ، أن يعطي كلّ مخلوق ما يطلبه بلسان استعداده ، فلم يطلب الملائكة هذا العلم بهذا اللسان ، وإلّاكان أعطاهم ، وطلبه آدم فأعطاه . وظاهرٌ أنّ مَن كان مستعدّاً لقبول الفضائل الّتي يحصل منها التقرّب إلى الحضرة الإلهيّة أفضل ممّن ليس كذلك ، إذ الفضائل لا نهاية لها ، فالترقّي إلى مقام القرب لم يكن له نهاية ، وما من الملائكة إلّاوله مقام معلوم لا يتجاوزه . ومنها : أنّه تعالى خلق ما خلق من السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما لأجل الإنسان ، فالعالم كلّه بمنزلة الشجرة ، والإنسان ثمرة لها ، فهو العلّة الغائي لخلق جميع الأشياء . فإن أبيت عن ذلك فانظر إلى الآيات القرآنيّة والبيّنات الفرقانيّة تجدها على ذلك غالباً ناصّةً ، وتأمّل في سورة النبأ « 3 » والنحل « 4 » خاصّةً ترى أكثر آياتهما منزّلةً في بيان الامتنان لجعل الأشياء لمصالح الإنسان . وكذا غيرها من الآيات ممّا دلّ على أنّ الأرض والسماء ، والهواء والماء ، والبحار والأنهار ، والليل والنهار ، والفلك بأبراجه ، والبحر بأمواجه ، والجوّ برعده وبرقه ، والأفق بغربه وشرقه ، والأيّام بحرّها وبردها ، والنجوم بنحسها وسعدها ، كلّ ذلك مخلوقٌ لأجل الإنسان ومصالح تمدّنه . أما ترى أنّ جبرائيل أعظم الكروبيّين يخدم الأنبياء بإيحاء العلوم إليهم ظاهراً ، وإلى غيرهم
هامش
( 1 ) - البقرة : 30 . . ( 2 ) - البقرة : 32 . . ( 3 ) - النبأ : 6 - 16 . . ( 4 ) - النحل : 10 - 16 . .