وراءكم فتناً مظلمة عمياء لا ينجو منها إلّاالنومة ، قيل يا أمير المؤمنين : وما النومة ؟ قال عليه السلام :
الّذي يعرف الناس ولا يعرفونه . . .
» الحديث « 1 » .
فإنّ كون الفتن عمياء مظلمة معناه استشكال الأمر واشتباه المسلك ، بحيث لا يمكن الخروج عنها ولا النجاة منها إلّابإضاءة نور العلم والتخطّي بمعونة عصا التأمّل في كلمات أهل بيت العصمة والطهارة ، فإنّهم خزّان علم اللَّه ومعادن حكمته ، وانّما بيّنوا عليهم السلام هذه الأخبار مرموزاً لعلّه لما بيّنّاه سابقاً من أنّ أحد أسباب الغَيبة هو تميّز الخبيث من الطيّب والباطل من الحقّ ، فالطيّب من يمشي عند تشتّت الأهواء وتشكّل الآراء بنور العلم ومتابعة آل الرسول صلى الله عليه وآله ، والخبيث من عزل العقل عن العمل واتّبع نفسه وهواه ، وكان أمره فرطاً .
فإيّاك يا أخي واتّباع كلّ فريق والتطرّق بكلّ طريق ، فيضلّك السعالي « 2 » والغيلان « 3 » فأصبحت « 4 » « كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ » « 5 » .
ولا تؤوّل الأخبار بما تستحسنه من عند نفسك ، فتكون من الّذين « يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » « 6 » .
واحذر من الجمود على الظاهر فتغفل عن الحقّ ، كفعل اليهود ، فإنّهم الآن يخبرون بمجيء المسيح ويذكرون أماراته وعلاماته ، واشتغلوا بالركود على بعض ظواهر التوراة عن انكشاف الحقّ وظهوره ، بل هم في ظلمات الظنون .
هامش
( 1 ) - الغيبة للنعماني : 141 ح 2 ، عنه البحار : 51 / 112 ح 8 . .
( 2 ) - السعالي : جمع السِعلاة وهي أنثى الغول . ( لسان العرب : 11 / 336 - سعل ) . .
( 3 ) - الغيلان : جمع الغُول وهو السعلاة والهلاكة ( لسان العرب : 11 / 507 - غول ) . .
( 4 ) - كذا ، والظاهر : « فتصبح » . .
( 5 ) - الأنعام : 71 . .
( 6 ) - آل عمران : 7 . .