يحصل من العمل ، فحصول المحبّة بواسطة العلم والعمل ، لكن بحيث لا يعلمه المحبّ ، فلهذا نسب السقي من هذا العين إلى غيره بالبناء للمفعول ، فقيل : « وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا » « 1 » .
والمرتبة الثالثة - أعني التوكّل - تورث محبّة اللَّه للعبد ، قال اللَّه تعالى : « فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ » « 2 » . فإذا أحبّه المحبوب تجلّى له نور عظمته من أستار الغيوب ، فاندكّ طورانيّته ، وارتفع عن قلبه حجاب مادّيّته ، فطهر قلبه عمّن سواه ، ولم يشتغل إلّابذكر مولاه ، وذلك قوله جلّ ذكره : « رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ » « 3 » ، ولذا كان جزاؤه الشراب الطهور .
ولمّا لم ير في قلبه سواه ولم يعرف إلّاإيّاه قيل : « وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ » « 4 » . وشرابهم في عالم البرزخ من الكوثر كما يدلّ عليه طائفة من الأخبار ، وفي بعضها أنّها أيضاً في القيامة ، والجمع ممكن .
وشراب أهل النار في البرزخ الصديد ، قال سبحانه « واسْتْفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ » « 5 » ، يعني يوم القيامة ، اللّهمّ إنّا نعوذ بك من شرّ الصديد ومن العذاب الشديد « 6 » .
هامش
( 1 ) - الإنسان : 17 . .
( 2 ) - آل عمران : 159 . .
( 3 ) - التوبة : 108 . وفي نسخة « ب » من قوله تعالى : « فيه رجالٌ . . . » . .
( 4 ) - الإنسان : 21 . .
( 5 ) - إبراهيم : 15 - 17 ، وفي نسخة ع من قوله تعالى « وخاب . . . » . .
( 6 ) - من قوله « يعني » إلى هنا ليس في « ع » . .