الشروع في السلوك إلى اللَّه وشرع في ذكر اللَّه أثّر في قلبه خوفاً من المذكور ، لاستشعار عظمته وكبريائه ، قال سبحانه : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » « 1 » .
ثمّ بدوام الذكر يحصل له الانس بالمذكور ، والانس به يورث الحبّ له ، فإذا أحبّه توكّل عليه ، وفوّض أموره إليه ، وازداد كلّ حين حبّه ، واطمأنّ به قلبه ، وذلك قوله تعالى : « أَلا بِذِكْرِ اللَّه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » « 2 » . فعند ذلك أحبّه المحبوب ، فإذا أحبّه كفاه وأحسبه ، وأعدّ له الرزق الكريم في جنّات النعيم ، فهذه مراتب ثلاثة :
الأوّل : الخوف ، الثاني : الحبّ ، الثالث : التوكّل والتسليم .
فالمرتبة الأولى يؤثّر البرودة ، لأنّها تقتضي اقشعرار الجلد الّذي هو من لوازم البرودة ، قال عزّ ذكره : « اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّه » « 3 » . ثمّ جزاء الأعمال مثل الأعمال إن كانت سيّئة ، وعشرة أمثالها إن كانت حسنة ، فلابدّ من المماثلة بين العمل والجزاء ، ومقتضاها البرودة في الجزاء كما كان في العمل ؛ ولذا كان شرابه من عين الكافور . ولمّا كان الدخول في عبادة اللَّه والشروع في الذِكر باختياره ولم ير فاعلًا غير نفسه نسب الشرب إليه ، فقال تعالى : « عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ » « 4 » .
والمرتبة الثانية تؤثّر الحرارة ، فإنّه كثيراً ما يرى المحبّ عارياً في الشتاء لا يشتكي البرودة ، وهذا مقام لينة الجلد والقلب في قوله تعالى : « ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّه » « 5 » . والمماثلة بين العمل والجزاء يقتضي أنّ الشراب من عين السلسبيل الّتي كان مزاجها الزنجبيل . ثمّ لمّا كان المحبّة من العلم والمعرفة والعلم
هامش
( 1 ) - الأنفال : 2 . .
( 2 ) - الرّعد : 28 . .
( 3 ) - الزمر : 23 . .
( 4 ) - الإنسان : 6 . .
( 5 ) - الزمر : 23 . .