فإن قيل : إن كان المراد من « المتّقين » السابقين فلازمه أن لا يقبل من أصحاب اليمين ، لأنّه « إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّه مِنَ الْمُتَّقِينَ » « 1 » .
قلت : للتّقوى مراتب ، بعضها مختصّ بالسابقين ، وبعضها يشمل أصحاب اليمين ، ألا ترى قوله جلّ ذِكره : « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » « 2 » .
وأمّا الأبرار والفجّار فهم المحضرون للحساب « فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ » « 3 » فنظر فيه فإذا هو مملوّ من الحسنات ، فيحصل له الفرح والابتهاج ، فيقول من كمال سروره :
« هاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ » « 4 » ، ف « يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً » « 5 » .
عن الباقر عليه السلام قال : قال رسولاللَّه صلى الله عليه وآله : (
كلّ محاسب معذّب
) ، فقال له قائل :
يا رسول اللَّه فأين قول اللَّه عزّوجلّ : « فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً » ؟ قال صلى الله عليه وآله : «
ذلك العرض »
يعني التصفّح « 6 » . « 7 » وفي رواية : «
إنّ الحساب اليسير هو الإثابة على الحسنات والتجاوز عن السيّئات » « 8 » .
« وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ » « 9 » فنظر فيه فرآه ظلمةً على ظلمة ، مشحوناً بالسيّئات ، فيحصل له الحسرة والضجرة ، فيقول من فرط الغمّ والألم : « يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ * ما أَغْنىعَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ » « 10 » . فمن شدّة الفزع الّذي يحصل لهم أنكروا ما كتب فيه ، فتشهد عليهم الملائكة فيقولون : يا ربّ
هامش
( 1 ) - المائدة : 27 . .
( 2 ) - المائدة : 93 . .
( 3 ) - الإسراء : 71 . .
( 4 ) - الحاقّة : 19 و 20 . .
( 5 ) - الانشقاق : 8 و 9 . .
( 6 ) - في نسخة « ع » : الصفح . .
( 7 ) - معاني الأخبار : 262 ح 1 . .
( 8 ) - مجمع البيان : 10 / 344 . .
( 9 ) - الحاقّة : 25 . .
( 10 ) - الحاقّة : 25 - 29 . .