وإظهار الإسلام باللسان يزول عنه في الآخرة ، لأنّ ألسنتهم فيها مختوم عليها ، وسائر جوارحهم تشهد بما اجترحوا في الدنيا ؛ انظر إلى الكلام الرّبّاني : « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » « 1 » فهؤلاء « الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ » « 2 » ، صَرفوا رأس مالهم في الغيّ والغرور ، وأتلفوا جُلّ مالهم في إفشاء الباطل وإطفاء النور ، ألحدوا في آيات اللَّه ، واجتهدوا في الصدّ عن سبيل اللَّه ، اختاروا النار على العار ، والدنيا الفانية على دار القرار ، فهم الأخسرون أعمالًا « الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدنْيا » « 3 » .
ثمّ باعتبار آخر ينقسم أصحاب الشمال إلى من كان تكذيبه لأجل الاستكبار والاستعلاء ، وهم الّذين « إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّه يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أئنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ » « 4 » ، وإلى من كان تكذيبه لاتّباع المستكبرين وهم الّذين يقولون « رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السبِيلا » « 5 » .
فالناس يومئذٍ أربعة أصناف : السابقون ، وهم المقرّبون ، ويعبّر عنهم بعباد اللَّه في قوله تعالى : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » « 6 » ، وأصحاب اليمين وهم الأبرار .
والمستكبرون وهم الطاغون . والأذناب وهم الفجّار والضالّون .
فالصنف الأوّل كما ذكر ، وكذا الثالث لا حساب لهم ولا كتاب ، بل يدخلون الجنّة أو النار بغير حساب ، قال سبحانه : « يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً » « 7 » ، فإنّ حشر المتّقين في حال وفودهم إلى الرّحمن يأبى عن وقوفهم للحساب ، لاسيّما وقد ورد «
إنّ الوفد لا يكونون إلّاركباناً » « 8 » .
هامش
( 1 ) - يس : 65 . .
( 2 ) - البقرة : 16 . .
( 3 ) - الكهف : 104 . .
( 4 ) - الصافّات : 35 و 36 . .
( 5 ) - الأحزاب : 67 . .
( 6 ) - الحِجر : 42 . .
( 7 ) - مريم : 85 و 86 . .
( 8 ) - تفسير القمي : 2 / 53 ، عنه البحار : 7 / 172 ح 2 ، وفي ج 8 / 157 صدر ح 98 عن الكافي : 8 / 95 صدر ح 69 . .