تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفريغ الفؤاد لمعرفة المبدأ والمعاد — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
حيث قال : « لَم نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين » أي لم نك من أتباع السابقين » « 1 » . ثمّ إنّ أصحاب اليمين وإن كانوا ناجين إلّاأنّ بينهم وبين السابقين فرقٌ كثير ومسافةٌ بعيدة « انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا » « 2 » ، وذلك لأنّ عبادة أصحاب اليمين عبادة الاجَراء ، يعبدون اللَّه خوفاً من عذابه وشوقاً إلى ثوابه ، وهذه العبادة حسناتهم ، ولكن بالنسبة إلى المقرّبين سيّئات ، لأنّ بها ينحطّون عن درجاتهم ، فإنّهم يعبدون لا خوفاً من الجحيم ولا طمعاً في النعيم ، بل شوقاً إلى لقاء ربٍّ رحيم ، توشّجت « 3 » أشجار الشوق إليه في حدائق صدورهم ، وأخذت لوعة محبّته بمجامع قلوبهم ، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون ، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون ، ذهلوا كينونتهم عند تجلّي أنوار الجمال ، وجهلوا هويّتهم عند ظهور آثار الجلال ، لا يرهبون من شيء ، ولا يرغبون إلى شيء ، مُنى قلوبهم وصال محبوبهم ، وقرّة عيونهم بالنظر إلى مطلوبهم ، وكذلك تتفاوت مقاماتهم عنداللَّه في الأجر والثواب ، قال تعالى شأنه في آخر السورة المذكورة : « فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ » « 4 » . فإن قلت : فهل يُعلم هذا التفاوت من أوائل السورة ؟ قلت : نعم يعلمه المتأمّل الدقيق ، فإنّ الّذي اعدّ لأصحاب اليمين هو ما يشتهيه أهل الدنيا من « ظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَماءٍ مَسْكُوبٍ * وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ » « 5 » .
هامش
( 1 ) - الكافي : 1 / 419 ح 38 ، عنه البحار : 24 / 7 ح 19 . . ( 2 ) - الإسراء : 21 . . ( 3 ) - وشج الشيء : تداخل وتشابك والتفّ . يقال : وشجت العروق والأغصان . وتوشّج : وشج ( المعجم‌الوسيط : 2 / 1045 ) . . ( 4 ) - الواقعة : 88 - 91 . . ( 5 ) - الواقعة : 30 - 34 . .