ولا يؤتون الكتاب ، لأنّهم الشهداء على الخلق ، حسابهم عليهم ، وإيابهم إليهم ، فرغوا من حساب الدنيا حيث زهدوا فيها ، وقنعوا منها بقرصيه وتمريه ، اختاروا مصارع الأرض على مصانعها ومضاجعها ، ورقّعوا مدارعهم حتّى استحيوا من راقعها ، طلّقوا الدنيا ثلاثاً ، ولم يهيّئوا لأنفسهم بيتاً ولا أثاثاً ، قال تعالى : « فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ » أي للحساب « إِلّا عِبادَ اللَّه الْمُخْلَصِينَ » « 1 » .
ثمّ إنّ الكتاب لتفريغ الحساب ، وحيث لا حساب فما يفعل بالكتاب ؟ بل الكتاب لأصحاب اليمين والشمال ، كما يؤمي إليه سورة الواقعة ، فأصحاب اليمين هم المذنبون من المؤمنين الّذين يشملهم شفاعة الشافعين ، قال جلّ ذكره : « كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلّا أَصْحابَ الْيَمِينِ » « 2 » ، يعني إنّهم غير مرهونين بما كسبوا ، بل يحاسبون حساباً يسيراً وينقلبون إلى أهلهم مسرورين « 3 » .
وفي الحديث : «
اليمين أمير المؤمنين عليه السلام ، وأصحابه شيعته » « 4 » .
ويزيّن ذلك : أنّ مجموع عدد حروف ( اليمين ) بحساب الجمل : يوافق عدد حروف عليّ عليه السلام مائة وعشر .
وورد في تفسير قوله تعالى : « قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » « 5 » بعد قوله سبحانه « كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلّا أَصْحابَ الَيمِينِ * فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ » « 6 » أنّه قال : «
عنى لم نكن من أتباع الأئمّة الّذين قال اللَّه فيهم :
« وَالسابِقُونَ السابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » « 7 »
؛ أما ترى الناس يسمّون الّذي يلي السابق في الحَلْبة « 8 » مصلّياً ، فذلك الّذي عنى
هامش
( 1 ) - الصافّات : 127 و 128 . .
( 2 ) - المدّثّر : 38 و 39 . .
( 3 ) - إشارة إلى الآيتين 8 و 9 من سورة الانشقاق . .
( 4 ) - تفسير القمي : 2 / 395 ، البحار : 24 / 1 ح 1 و 2 . .
( 5 ) - المدّثر : 43 . .
( 6 ) - المدّثّر : 38 - 42 . .
( 7 ) - الواقعة : 10 و 11 . .
( 8 ) - الحلبة - بالتسكين - : خيل تجمع للسِّباق ( الصحاح : 1 / 115 - حلب ) . .