والسرّ في السؤال عن هذه الأربع فيما سنح بخاطري - والعلم عند اللَّه وعند الرسول صلى الله عليه وآله وعند الراسخين فيه - أنّ الإنسان في هذا العالم بمنزلة التاجر ، أرسله اللَّه لتحصيل الرّبح ، وأعطاه رأس المال ، ووصّاه بحفظه وحفظ أوان التجارة الّتي فيها يسهل الكسب والاقتناء ، ويحصل الربح غالباً أكثر من غيرها ، فرأس المال للإنسان هو العمر ، وَأوان التجارة هي أيّام الشباب ، والربح هو التسليم والانقياد لما أمر به رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، والمجاهدة في سبيله بالنفس والمال .
وإن كنت تتأمّل في ذلك فانظر إلى قوله سبحانه : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » « 1 » .
فالإيمان الّذي أمر اللَّه تعالى بتحصيله وجعله تجارة منجية هو المرتبة الثانية من الإيمان ، الّتي هي التسليم لأمر اللَّه تعالى ، والانقياد لما أتى به رسولاللَّه صلى الله عليه وآله ، فإنّ المرتبة الأولى منه هي التصديق والإذعان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وهي الّتي قد حصلت بعد ، لأنّ المخاطب هو المؤمن ولا يؤمر بتحصيل ما هو حاصل له ، والإيمان باللَّه هو التسليم لتحمّل أعباء التكليفات والعبادات ، والإيمان برسول اللَّه صلى الله عليه وآله هو التسليم لأداء أجر رسالته الّذي عيّنه اللَّه تعالى في قوله جلّ شأنه : « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » « 2 » ، فالرّبح هو المودّة في القربى والمجاهدة في سبيل اللَّه بالنفس والمال .
ثمّ إنّ العامل بعد ما رجع من سفر تجارته ، وأراد صاحب المال تفريغ حسابه ، يسأله أوّلًا عن ثلاثة أشياء :
عن رأس المال ، أفي الإقتناء والاكتساب صرفه أم ضيّعه وأتلفه .
هامش
( 1 ) - الصفّ : 10 و 11 . .
( 2 ) - الشورى : 23 . .