تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توقيعات الناحية المقدسة — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
السَير حتّى عجزنا وتدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش ، فأيقنّا بالموت وسقطنا لوجوهنا . فبينما نحن كذلك إذا بفارسٍ على فرس أبيض قد نزل قريباً منّا ، وطَرَحَ مَفرشاً لطيفاً لم نر مثله تفوح منه رائحةً طيّبةً ، فالتفتنا إليه وإذا بفارسٍ آخر على فرسٍ أحمر عليه ثيابٍ بيض ، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان ، فنزل على ذلك المفرش ثمّ قام فصلّى بصاحبه ، ثمّ جلس للتعقيب . فالتفت إليّ وقال : يا محمود ! فقلت بصوتٍ ضعيف : لبّيك يا سيّدي ، قال : أُدْنُ منّي ، فقلت : لا أستطيع لِما بي من العطش والتعب ، قال : لا بأس عليك . فلمّا قالها حسبتُ كأن قد حدث في نفسي روحٌ متجدِّدة ، فسعيتُ إليه حَبواً ، فمرّ يده على وجهي وصدري ورفعها إلى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى ودخل لساني في فمي ، وذهب ما بي وعُدتُ كما كنت اوّلًا ، فقال : قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل وكأنّ في الوادي حنظل كثير ، فأتيته بحنظلة كبيرة فقسَّمها نصفين وناولنيها وقال : كُلْ منها ، فأخذتها منه ، ولم أقدم على مخالفته وعندي أمرني أن آكل الصبر لما أعهد من مرارة الحنظل ، فلمّا ذُقتها فإذا هي أحلى من العسل ، وأبرد من الثلج ، وأطيب ريحاً من المسك ؛ شَبِعتُ ورويتُ . ثمّ قال لي : أُدع صاحبك ، فدعوته ، فقال بلسان مكسور ضعيف : لا أقدر على الحركة ، فقال له : قم لا بأس عليك ، فأقبل إليه حبواً وفعل معه كما فعل معي ثمّ نهض ليركب ، فقلنا : باللّه عليك يا سيّدنا إلّاما أتممت علينا نعمتك ، وأوصلتنا إلى أهلنا ، فقال : لا تعجلوا وخطّ حولنا برمحه خطّة ، وذهب هو وصاحبه . فقلت لصاحبي : قم بنا حتّى نقف بإزاء الجبل ونقع على الطريق ، فقمنا وسرنا