أعطى أمه الحديقة حياتها أن لا ترجع إليه بل تكون لورثتها . ويؤيد هذا الحديث
الرواية التي قبله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في العمرى مع الاستثناء بأنها لمن
أعطيها ، ويعارض ذلك ما في حديث جابر أيضا المذكور في الباب بلفظ : فأما إذا قلت هي
لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها ولكنه قال معمر : كان الزهري يفتي به ولم
يذكر التعليل ، وبين من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري أن التعليل من قول أبي
سلمة . قال الحافظ : وقد أوضحته في كتاب المدرج . ( والحاصل ) أن الروايات المطلقة
في أحاديث الباب تدل على أن العمرى والرقبى تكون للمعمر والمرقب ولعقبه ، سواء
كانت مقيدة بمدة العمر أو مطلقة أو مؤبدة ، ويؤيد ذلك الروايتان المتقدمتان
في دليل من قال : إن المقيدة بمدة الحياة لها حكم المؤبدة ، وهذه الرواية القاضية بالفرق
بين التقييد بمدة الحياة وبين الاطلاق والتأبيد معلولة بالادراج ، فلا تنتهض لتقييد
المطلقات ولا لمعارضة ما يخالفها . الحال الثالث أن يقول : هي لك ولعقبك من بعدك ،
أو يأتي بلفظ يشعر بالتأبيد فهذه حكمها حكم الهبة عند الجمهور ، وروي عن مالك
أنه يكون حكمها حكم الوقف إذا انقرض المعمر وعقبه رجعت إلى الواهب ، وأحاديث
الباب القاضية بأنها ملك للموهوب له ولعقبه ترد عليه . قوله : فهي لمعمره بضم
الميم الأولى وفتح الثانية اسم مفعول من أعمر . قوله : محياه ومماته بفتح الميمين
أي مدة حياته وبعد موته . قوله : لا تعمروا الخ . قال القرطبي : لا يصح
حمل هذا النهي على التحريم لصحة الأحاديث المصرحة بالجواز . وقيل : إن
النهي يتوجه إلى اللفظ الجاهلي لأن الجاهلية كانت تستعملها كما تقدم . وقيل : النهي
يتوجه إلى الحكم ولا ينافي الصحة وفيه نظر ، لأن معنى النهي حقيقة التحريم المستلزم
للفساد المرادف للبطلان ، إلا أن يحمل على الكراهة بقرينة قوله صلى الله عليه وآله وسلم :
العمرى جائزة . قوله : فمن أعمر بضم الهمزة وكذا قوله أو أرقبه . قوله : ولعقبه بكسر
القاف وسكونها للتخفيف ، والمراد ورثته الذين يأتون بعده . قوله : حديقة هي البستان
يكون عليه الحائط فعيلة بمعنى مفعولة ، لأن الحائط أحدق بها أي أحاط ، ثم توسعوا
حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان بغير حائط . قوله : شرع بفتح
الشين المعجمة والراء أي سواء . ذكر معنى ذلك في القاموس .
نيل الأوطار — صفحة 120
مساهمون: الشوكاني
ص١٢٠