نزلت هذه الآيات فى ابى بكر الصديق و قال ابن زيد : جعل اللَّه المؤمنين صنفين .
صنف يعفون عن ظالميهم ، فبدأ بذكرهم و هو قوله : -
وَ إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
، و صنف ينتصرون من ظالميهم ، و هم الذين ذكروا فى هذه الاية ، و قال عطاء : هم الذين اخرجهم الكفار من مكة و بغوا عليهم ، ثم مكّنهم اللَّه فى الارض حتى انتصروا ممن ظلمهم ثم ذكر الانتصار . بقوله : -
وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
، الاولى هى السيئة فى اللفظ و المعنى ، و الثانية سيئة فى اللفظ و عاملها ليس بمسىء لانها مجازاة بالسوء لا توجب ذنبا كقوله : -
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
قال مقاتل : يريد به القصاص فى الجراحات و الدماء و قال السدّى هو ان يجاب قائل الكلمة القبيحة بمثلها من غير ان يعتدى فاذا قال اخزاك اللَّه يقول ، اخزاك اللَّه . ثم ذكر العفو ، فقال :
فَمَنْ عَفا
يعنى عن ظلمه
وَ أَصْلَحَ
بالعفو بينه و بين ظالمه ،
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
. و فى الخبر اذا كان يوم القيمة نادى مناد : من كان له اجر على اللَّه فليقم ، قال : فيقوم عنق كثير ، قال : فيقال ما اجركم على اللَّه ، قال : فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا و ذلك قوله عز و جل : -
فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
، فيقال لهم : ادخلوا الجنة باذن اللَّه . و
قال صلى اللَّه عليه و آله و سلم : ما زاد عبد بعفو الا عزا ،
و
قال ( ص ) : من سرّه ان يشرف له البنيان او ترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ، و ليصل من قطعه و ليعط من حرمه .
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
. هذا راجع الى السيئة الاولى . قال ابن عباس : يعنى الذين يبدئون بالظلم .
قوله : -
وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ
اى - بعد ظلم الظالم ، اياه
فَأُولئِكَ
يعنى المنتصرين ،
ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
. بعقوبة و مؤاخذة و ملام .
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ
، اى - يبدئون بالظلم
وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
يعملون فيها بالمعاصى ، اى : يطلبون فيها ما ليس لهم به حق ،
أُولئِكَ لَهُمْ ، عَذابٌ أَلِيمٌ
.
وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ
اى صبر على مظلمة و لم يقتصّ و لم ينتصر و تجاوز عنه ،
إِنَّ ذلِكَ
الصبر و المغفرة
لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
. عزم الامور جدها و حقيقتها تقول عزمت عليك ، اى : امرتك امرا جدا ، و العزيمة و الصريمة الرأى الجد ،