النوبة الثانية
قوله :
وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ
، اى - غمرة الموت و شدته الى ان تغشى الانسان و تغلب على عقله
بِالْحَقِّ
يعنى - ببيان ما يصير اليه الانسان بعد موته من جنة او نار و قيل -
بِالْحَقِّ
، اى بامر اللَّه و حكمه الذى عمّ به جميع الاحياء و قيل - بما يؤل اليه الامر من السعادة و الشقاوة .
روى انّ ابا بكر الصديق لما احتضر قالت عائشة : شعر :
لعمرك ما يغنى الثّراء عن الفتى * اذا حشرجت يوما و ضاق به الصدر
فقال ابو بكر : يا بنيّة لا تقولى ذلك و لكن قولى كما قال اللَّه عز و جل :
وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ
.
ذلِكَ
اشاره الى الموت ،
ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
اى - تكره ذكره و تستبعد وقوعه و المعنى - فاستعدّ له .
قوله :
وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ
، يعنى - نفخة البعث ،
ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
اى - ذلك اليوم يتحقق فيه الوعيد .
وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ
السائق و الشهيد هما المتلقّيان يسوق الكافر سائقه الى النار و يشهد الشهيد عليه بمعصيته ، و يسوق السائق المؤمن الى الجنة و يشهد الشهيد عليه بمعصيته و يشهد الشهيد له بطاعته . و قال ابن عباس و الضحاك : السائق من الملائكة و الشهيد من انفسهم الا يدى و الا رجل فيقول اللَّه تعالى :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا
اليوم فى الدنيا ،
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
الذى كان فى الدنيا على قلبك و سمعك و بصرك . الغطاء الستر غطاه و غطّاه ثقيلا و خفيفا .
قال الشاعر :
سلام قبل معذرتى سلام * و ان لم آت ما فيه ملام
على الشمس الطلوع فان غطاها * غمام فالمليم هو الغمام
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
اى - حادّ هذا كقوله :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا
، و المعنى - بصرك اليوم نافذ تبصر ما كنت تنكر فى الدنيا . و قيل - اراد بالبصر العلم اى - علمك اليوم نافذ فى البعث علم حين لم ينفعه العلم و ابصر حين لم ينفعه البصر .