تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
من خوفهم من ذلك كلما نزل بهم من الله وحي على رسوله ، ظنوا أنه نزل بهلاكهم وعطبهم . يقول الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم : هم العدو يا محمد فاحذرهم ، فإن ألسنتهم إذا لقوكم معكم وقلوبهم عليكم مع أعدائكم ، فهم عين لأعدائكم عليكم . وقوله :
قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
يقول : أخزاهم الله إلى أي وجه يصرفون عن الحق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، وسمعته يقول في قول الله :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ
الآية ، قال : هؤلاء المنافقون . واختلفت القراء في قراءة قوله :
كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة خلا الأعمش والكسائي :
خُشُبٌ
بضم الخاء والشين ، كأنهم وجهوا ذلك إلى جمع الجمع ، جمعوا الخشبة خشابا ثم جمعوا الخشاب خشبا ، كما جمعت الثمرة ثمارا ، ثم ثمرا . وقد يجوز أن يكون الخشب بضم الخاء والشين إلى أنها جمع خشبة ، فتضم الشين منها مرة وتسكن أخرى ، كما جمعوا الأكمة أكما وأكما بضم الألف والكاف مرة ، وتسكين الكاف منها مرة ، وكما قيل : البدن والبدن ، بضم الدال وتسكينها لجمع البدنة ، وقرأ ذلك الأعمش والكسائي : " خشب " بضم الخاء وسكون الشين . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، ولغتان فصيحتان ، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وتسكين الأوسط فيما جاء من جمع فعلة على فعل في الأسماء على ألسن العرب أكثر وذلك كجمعهم البدنة بدنا ، والأجمة أجما . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
يقول تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء المنافقين : تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم لووا رؤوسهم ، يقول : حركوها وهزوها استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وباستغفاره ؛ وبتشديدها الواو من " لووا " قرأت القراء على وجه الخبر عنهم أنهم كرروا هز رؤوسهم وتحريكها ، وأكثروا ، إلا نافعا فإنه قرأ ذلك بتخفيف الواو : " لووا " على وجه أنهم فعلوا ذلك مرة واحدة . والصواب من القول في ذلك قراءة من شدد الواو لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله :
وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
يقول تعالى ذكره : ورأيتهم يعرضون عما دعوا إليه وجوههم
وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
يقول : وهم مستكبرون عن المصير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم ؛ وإنما عني بهذه الآيات كلها فيما ذكر عبد الله بن أبي ابن سلول ، وذلك أنه قال لأصحابه عبد الله بن أبي ابن سلول : لا تتفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ، وقال :
لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
فسمع بذلك زيد بن أرقم ، فأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله عما أخبر به عنه ، فحلف أنه ما قاله ، وقيل له : لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألته أن يستغفر لك ، فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاء ، ويعني ذلك أنه غير فاعل ما أشاروا به عليه ، فأنزل الله عز وجل فيه هذه السورة من أولها إلى آخرها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وجاءت الأخبار . ذكر الرواية التي جاءت بذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن أرقم ، قال : خرجت مع عمي عم زيد بن أرقم في غزاة ، فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ،
لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
؛ قال : فذكرت ذلك لعمي عم زيد بن أرقم ، فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلي ، فحدثته ، فأرسل إلى عبد الله عليا رضي الله عنه وأصحابه أصحاب عبد الله ، فحلفوا ما قالوا ، قال : فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه ، فأصابني هم لم يصبني مثله قط ؛ فدخلت البيت ، فقال لي عمي عم زيد بن أرقم : ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك ، قال : حتى أنزل الله عز وجل
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ
قال : فبعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأها ، ثم قال : " إن الله عز وجل قد صدقك