تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ
يا محمد
قالُوا
بألسنتهم
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
قال المنافقون ذلك أو لم يقولوا
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
يقول : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون في إخبارهم عن أنفسهم أنها تشهد إنك لرسول الله ، وذلك أنها لا تعتقد ذلك ولا تؤمن به ، فهم كاذبون في خبرهم عنها بذلك . وكان بعض أهل العربية يقول في قوله :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
إنما كذب ضميرهم لأنهم أضمروا النفاق ، فكما لم يقبل إيمانهم ، وقد أظهروه ، فكذلك جعلهم كاذبين ، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا . القول في تأويل قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا
. . . يَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : اتخذ المنافقون أيمانهم جنة ، وهي حلفهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً
أي حلفهم جنة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً
قال : يجيئون بها ، قال ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول قي قوله :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً
يقول : حلفهم بالله إنهم لمنكم جنة . وقوله :
جُنَّةً
سترة يستترون بها كما يستتر المستجن بجنته في حرب وقتال ، فيمنعون بها أنفسهم وذراريهم وأموالهم ، ويدفعون بها عنها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
جُنَّةً
ليعصموا بها دماءهم وأموالهم . وقوله :
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يقول : فأعرضوا عن دين الله الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم وشريعته التي شرعها لخلقه
إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
يقول : إن هؤلاء المنافقين الذين اتخذوا أيمانهم جنة ساء ما كانوا يعملون في اتخاذهم أيمانهم جنة ، لكذبهم ونفاقهم ، وغير ذلك من أمورهم . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
يقول تعالى ذكره : إنهم ساء ما كانوا يعملون هؤلاء المنافقون الذين اتخذوا أيمانهم جنة من أجل أنهم صدقوا الله ورسوله ، ثم كفروا بشكهم في ذلك وتكذيبهم به . وقوله :
فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ
يقول : فجعل الله على قلوبهم ختما بالكفر عن الإيمان ؛ وقد بينا في موضع غير هذا صفة الطبع على القلب بشواهدها ، وأقوال أهل العلم ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
يقول تعالى ذكره : فهم لا يفقهون صوابا من خطأ ، وحقا من باطل لطبع الله على قلوبهم . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
أقروا بلا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقلوبهم منكرة تأبى ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ . . .
كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
. . . أَنَّى يُؤْفَكُونَ
يقول جل ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا رأيت هؤلاء المنافقين يا محمد تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورها
وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ
يقول جل ثناؤه : وإن يتكلموا تسمع كلامهم يشبه منطقهم منطق الناس
كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
يقول كأن هؤلاء المنافقين خشب مسندة لا خير عندهم ولا فقه لهم ولا علم ، وإنما هم صور بلا أحلام ، وأشباح بلا عقول . وقوله :
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
يقول جل ثناؤه : يحسب هؤلاء المنافقون من خبثهم وسوء ظنهم ، وقلة يقينهم كل صيحة عليهم ، لأنهم على وجل أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك به أستارهم ويفضحهم ، ويبيع للمؤمنين قتلهم وسبي ذراريهم ، وأخذ أموالهم ، فهم