تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : تلا قتادة :
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قال : الحمد لله الذي بينها . القول في تأويل قوله تعالى :
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . . .
ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يقول تعالى ذكره : يستر عليكم ربكم ذنوبكم إذا أنتم فعلتم ذلك فيصفح عنكم ويعفو
وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
يقول : ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار
وَمَساكِنَ طَيِّبَةً
يقول : ويدخلكم أيضا مساكن طيبة
فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ
يعني في بساتين إقامة ، لا ظعن عنها . وقوله
ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يقول : ذلك النجاء العظيم من نكال الآخرة وأهوالها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأُخْرى تُحِبُّونَها . . .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا
. . . قالَ الْحَوارِيُّونَ
. . . عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ
اختلف أهل العربية فيما نعتت به قوله
وَأُخْرى
فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : وتجارة أخرى ، فعلى هذا القول يجب أن يكون أخرى في موضع خفض عطفا به على قوله :
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
وقد يحتمل أن يكون رفعا على الابتداء . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : هي في موضع رفع . أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة ، ثم قال :
نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ
مفسرا للأخرى . والصواب من القول في ذلك عندي القول الثاني ، وهو أنه معني به : ولكم أخرى تحبونها ، لأن قوله
نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
مبين عن أن قوله
وَأُخْرى
في موضع رفع ، ولو كان جاء ذلك خفضا حسن أن يجعل قوله
وَأُخْرى
عطفا على قوله
تِجارَةٍ
فيكون تأويل الكلام حينئذ لو قرئ ذلك خفضا ، وعلى خلة أخرى تحبونها ، فمعنى الكلام إذا كان الأمر كما وصفت : هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تؤمنون بالله ورسوله ، يغفر لكم ذنوبكم ، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ، ولكم خلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها : نصر من الله لكم على أعدائكم ، وفتح قريب يعجله لكم .
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إياهم على عدوهم ، وفتح عاجل لهم . وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة : " كونوا أنصارا لله " بتنوين الأنصار . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بإضافة الأنصار إلى الله . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، ومعنى الكلام : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، كونوا أنصار الله ، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
يعني من أنصاري منكم إلى نصرة الله لي . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثني به بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ
قال : قد كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه . وذكر لنا أنه بايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون رجلا من الأنصار ، ذكر لنا أن بعضهم قال : هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ إنكم تبايعون على محاربة العرب كلها أو يسلموا . وذكر لنا أن رجلا قال : يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، قال : أشترط لربي أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم " قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله ؟ قال : " لكم النصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة " ، ففعلوا ، ففعل الله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال :