وبعض الكوفيين : " متم نوره " بالنصب . وقرأه بعض قراء مكة وعامة قراء الكوفة
مُتِمُّ
بغير تنوين نوره خفضا ، وهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا .
وقوله :
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
يقول : والله مظهر دينه ، ناصر رسوله ، ولو كره الكافرون بالله . القول في تأويل قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
يقول تعالى ذكره : الله الذي أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق ، يعني ببيان الحق ودين الحق يعني : وبدين الله ، وهو الإسلام . وقوله :
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
يقول : ليظهر دينه الحق الذي أرسل به رسوله على كل دين سواه ، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم ، وحين تصير الملة واحدة ، فلا يكون دين غير الإسلام ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي المقدام ثابت بن هرمز ، عن أبي هريرة
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
قال : خروج عيسى ابن مريم . وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
والصواب عندنا من القول في ذلك بعلله فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد : حدثني عبد الحميد بن جعفر ، قال : ثنا الأسود بن العلاء ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى " فقالت عائشة : والله يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
الآية ، أن ذلك سيكون تاما ، فقال : " إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ، ثم يبعث الله ريحا طيبة ، فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير ، فيبقى من لا خير فيه ، فيرجعون إلى دين آبائهم " .
القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . . .
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
موجع ، وذلك عذاب جهنم ؛ ثم بين لنا جل ثناؤه ما تلك التجارة التي تنجينا من العذاب الأليم ، فقال :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قال قائل : وكيف قيل :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وقد قيل لهم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
بوصفهم بالإيمان ؟ فإن الجواب في ذلك نظير جوابنا في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ
وقد مضى البيان عن ذلك في موضعه بما أغنى عن إعادته . وقوله :
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
يقول تعالى ذكره : وتجاهدون في دين الله ، وطريقه الذي شرعه لكم بأموالكم وأنفسكم
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
يقول : إيمانكم بالله ورسوله ، وجهادكم في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم
خَيْرٌ لَكُمْ
من تضييع ذلك والتفريط
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
مضار الأشياء ومنافعها . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " آمنوا بالله " على وجه الأمر ، وبينت التجارة من قوله :
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ
وفسرت بقوله :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
ولم يقل : أن تؤمنوا ، لأن العرب إذا فسرت الاسم بفعل تثبت في تفسيره أن أحيانا ، وتطرحها أحيانا ، فتقول للرجل : هل لك في خير تقوم بنا إلى فلان فنعوده ؟ هل لك في خير أن تقوم إلى فلان فنعوده ؟ ، بأن وبطرحها . ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعا قوله :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا
وإنا ؛ فالفتح في أنا لغة من أدخل في يقوم أن من قولهم : هل لك في خير أن تقوم ، والكسر فيها لغة من يلقي أن من تقوم ؛ ومنه قوله :
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ
وإنا دمرناهم ، على ما بينا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ
الآية ، فلولا أن الله بينها ، ودل عليها المؤمنين ، لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها ، حتى يضنوا بها وقد دلكم الله عليها ، وأعلمكم إياها فقال :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ