وكانت رجال تخبر في القتال بشيء لم يفعلوه ولم يبلغوه ، فوعظهم الله في ذلك موعظة بليغة ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
إلى قوله :
كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
. حدثت عن الحسين ، قال :
سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
أنزل الله هذا في الرجل يقول في القتال ما لم يفعله من الضرب والطعن والقتل ؛ قال الله :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
. وقال آخرون : بل هذا توبيخ من الله لقوم من المنافقين ، كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون . ذكر من قال ذلك : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم : لو خرجتم خرجنا معكم ، وكنا في نصركم ، وفي ، وفي ، فأخبرهم أنه
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : عنى بها الذين قالوا : لو عرفنا أحب الأعمال إلى الله لعملنا به ، ثم قصروا في العمل بعد ما عرفوا . وإنما قلنا : هذا القول أولى بها ، لأن الله جل ثناؤه خاطب بها المؤمنين ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ولو كانت نزلت في المنافقين لم يسموا ، ولم يوصفوا بالإيمان ، ولو كانوا وصفوا أنفسهم بفعل ما لم يكونوا فعلوه ، كانوا قد تعمدوا قيل الكذب ، ولم يكن ذلك صفة القوم ، ولكنهم عندي أملوا بقولهم : لو علمنا أحب الأعمال إلى الله عملناه أنهم لو علموا بذلك عملوه ؛ فلما علموا ضعفت قوى قوم منهم ، عن القيام بما أملوا القيام به قبل العلم ، وقوي آخرون فقاموا به ، وكان لهم الفضل والشرف . واختلفت أهل العربية في معنى ذلك ، وفي وجه نصب قوله :
كَبُرَ مَقْتاً
فقال بعض نحويي البصرة : قال :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ
أي كبر مقتكم مقتا ، ثم قال :
أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
أذى قولكم . وقال بعض نحويي الكوفة : قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
كان المسلمون يقولون : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لأتيناه ، ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا ؛ فلما كان يوم أحد ، نزلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى شج ، وكسرت رباعيته ، فقال :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
ثم قال :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ
كبر ذلك مقتا : أي فأن في موضع رفع ، لأن كبر كقوله :
بئس رجلا أخوك . وقوله :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ
وعند الذين آمنوا ، أضمر في كبر اسم يكون مرفوعا .
والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله
مَقْتاً
منصوب على التفسير ، كقول القائل : كبر قولا هذا القول . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
يقول تعالى ذكره للقائلين : لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه حتى نموت :
إِنَّ اللَّهَ
أيها القوم
يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ
كأنهم ، يعني في طريقه ودينه الذي دعا إليه
صَفًّا
يعني بذلك أنهم يقاتلون أعداء الله مصطفين . وقوله :
كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
يقول : يقاتلون في سبيل الله صفا مصطفا ، كأنهم في اصطفافهم هنا لك حيطان مبنية قد رص ، فأحكم وأتقن ، فلا يغادر منه شيئا ، وكان بعضهم يقول : بني بالرصاص . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه ، كذلك تبارك وتعالى لا يختلف أمره ، وإن الله وصف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم ، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
قال : والذين صدقوا قولهم بأعمالهم هؤلاء ؛ قال : وهؤلاء لم يصدقوا قولهم بالأعمال لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه وتخلفوا .
وكان بعض أهل العلم يقول : إنما قال الله
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
ليدل على أن القتال