[ تفسير سورة الرحمن ]
القول في تأويل قوله تعالى :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . . .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
. . . أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
يقول جل ثناؤه :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ
السبع
وَما فِي الْأَرْضِ
من الخلق ، مذعنين له بالألوهة والربوبية
وَهُوَ الْعَزِيزُ
في نقمته ممن عصاه منهم ، فكفر به ، وخالف أمره
الْحَكِيمُ
في تدبيره إياهم . وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين آمنوا صدقوا الله ورسوله ، لم تقولون القول الذي لا تصدقونه بالعمل ، فأعمالكم مخالفة أقوالكم
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
يقول : عظم مقتا عند ربكم قولكم ما لا تفعلون . واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية ، فقال بعضهم : أنزلت توبيخا من الله لقوم من المؤمنين ، تمنوا معرفة أفضل الأعمال . فعرفهم الله إياه ، فلما عرفوا قصروا ، فعوتبوا بهذه الآية . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
قال :
كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون : لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه ، فنعمل به ، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه إيمان بالله لا شك فيه ، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به ؛ فلما نزل الجهاد ، كره ذلك أناس من المؤمنين ، وشق عليهم أمره ، فقال الله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
قال : كان قوم يقولون : والله لو أنا نعلم ما أحب الأعمال إلى الله لعملناه ، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً
إلى قوله
بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
فدلهم على أحب الأعمال إليه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن محمد بن جحادة ، عن أبي صالح ، قال : قالوا : لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله وأفضل ، فنزلت :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
فكرهوا ، فنزلت :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
إلى قوله :
مَرْصُوصٌ
فيما بين ذلك في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة ، قالوا في مجلس : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت ، فأنزل الله هذا فيهم ، فقال عبد الله بن رواحة : لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أموت ، فقتل شهيدا . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في توبيخ قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان أحدهم يفتخر بالفعل من أفعال الخير التي لم يفعلها ، فيقول فعلت كذا وكذا ، فعذلهم الله على افتخارهم بما لم يفعلوا كذبا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
قال : بلغني أنها كانت في الجهاد ، كان الرجل يقول : قاتلت وفعلت ، ولم يكن فعل ، فوعظهم الله في ذلك أشد الموعظة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
يؤذنهم ويعلمهم كما تسمعون
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ