تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي ، قال : ثنا عمرو ، قال : سألت زيد بن أسلم ، عن قول الله :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
قال : هذا قول العرب معروف ، إن كان : ما كان ، إن كان هذا الأمر قط ، ثم قال : وقوله : وإن كان : ما كان . وقال آخرون : معنى " إن " في هذا الموضع معنى المجازاة ، قالوا : وتأويل الكلام : لو كان للرحمن ولد ، كنت أول من عبده بذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
قال : لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدا ، ولكن لا ولد له . وقال آخرون : معنى ذلك : قل إن كان للرحمن ولد ، فأنا أول الآنفين ذلك ، ووجهوا معنى العابدين إلى المنكرين الآبين ، من قول العرب : قد عبد فلان من هذا الأمر إذا أنف منه وغضب وأباه ، فهو يعبد عبدا ، كما قال الشاعر :
ألا هويت أم الوليد وأصبحت * لما أبصرت في الرأس مني تعبد
وكما قال الآخر :
متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله * ويعبد عليه لا محالة ظالما
حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، ثني قال : ابن أبي ذئب ، عن أبي قسيط ، عن بعجة بن زيد الجهني ، أن امرأة منهم دخلت على زوجها ، وهو رجل منهم أيضا ، فولدت له في ستة أشهر ، فذكر ذلك لعثمان بن عفان رضي الله عنه فأمر بها أن ترجم ، فدخل عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
وقال :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
قال : فوالله ما عبد عثمان أن بعث إليها ترد . قال يونس ، قال ابن وهب : عبد : استنكف . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : معنى :
إِنْ
الشرط الذي يقتضي الجزاء على ما ذكرناه عن السدي ، وذلك أن " إن " لا تعدو في هذا الموضع أحد معنيين : إما أن تكون الحرف الذي هو بمعنى الشرط الذي يطلب الجزاء ، أو تكون بمعنى الجحد ، وهي إذا وجهت إلى الجحد لم يكن للكلام كبير معنى ، لأنه يصير بمعنى : قل ما كان للرحمن ولد ، وإذا صار بذلك المعنى أوهم أهل الجهل من أهل الشرك بالله أنه إنما نفى بذلك عن الله عز وجل أن يكون له ولد قبل بعض الأوقات ، ثم أحدث له الولد بعد أن لم يكن ، مع أنه لو كان ذلك معناه لقدر الذين أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم : ما كان للرحمن ولد ، فأنا أول العابدين أن يقولوا له صدقت ، وهو كما قلت ، ونحن لم نزعم أنه لم يزل له ولد . وإنما قلنا : لم يكن له ولد ، ثم خلق الجن فصاهرهم ، فحدث له منهم ولد ، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه ، ولم يكن الله تعالى ذكره ليحتج لنبيه صلى الله عليه وسلم وعلى مكذبيه من الحجة بما يقدرون على الطعن فيه ، وإذ كان في توجيهنا " إن " إلى معنى الجحد ما ذكرنا ، فالذي هو أشبه المعنيين بها الشرط . وإذ كان ذلك كذلك ، فبينة صحة ما نقول من أن معنى الكلام : قل يا محمد لمشركي قومك الزاعمين أن الملائكة بنات الله : إن كان للرحمن ولد فأنا أول عابديه بذلك منكم ، ولكنه لا ولد له ، فأنا أعبده بأنه لا ولد له ، ولا ينبغي أن يكون له . وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه لم يكن على وجه الشك ، ولكن على وجه الإلطاف من الكلام وحسن الخطاب ، كما قال جل ثناؤه
قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
وقد علم أن الحق معه ، وأن مخالفيه في الضلال المبين . وقوله :
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول تعالى ذكره تبرئة وتنزيها لمالك السماوات والأرض ومالك العرش المحيط بذلك كله ، وما في ذلك من خلق مما يصفه به هؤلاء المشركون من الكذب ، ويضيفون إليه من الولد وغير ذلك من الأشياء التي لا ينبغي أن تضاف إليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ،