تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
يوم نزلت هذه الآية وغيرهم ، وقد كان فيهم من يعبد من دون الله الآلهة ، وكان فيهم من يعبد من دونه الملائكة وغيرهم ، فجميع أولئك داخلون في قوله : ولا يملك الذين يدعو قريش وسائر العرب من دون الله الشفاعة عند الله . ثم استثنى جل ثناؤه بقوله :
إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
وهم الذين يشهدون شهادة الحق فيوحدون الله ، ويخلصون له الوحدانية ، على علم منهم ويقين بذلك ، أنهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها ، كما قال جل ثناؤه :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
فأثبت جل ثناؤه للملائكة وعيسى وعزير ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان باستثنائه الذي استثناه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ . . .
لا يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك : من خلقهم ؟ ليقولن : الله خلقنا .
فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
فأي وجه يصرفون عن عبادة الذي خلقهم ، ويحرمون إصابة الحق في عبادته . وقوله :
وَقِيلِهِ : يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
وَقِيلِهِ
فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والبصرة " وقيله " بالنصب . وإذا قرئ كذلك ذلك ، كان له وجهان في التأويل : أحدهما العطف على قوله :
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ
ونسمع قيله يا رب . والثاني : أن يضمر له ناصب ، فيكون معناه حينئذ : وقال قوله :
يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
وشكا محمد شكواه إلى ربه . وقرأته عامة قراء الكوفة
وَقِيلِهِ
بالخفض على معنى : وعنده علم الساعة ، وعلم قيله . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . فتأويل الكلام إذن : وقال محمد قيله شاكيا إلى ربه تبارك وتعالى قومه الذين كذبوه ، وما يلقى منهم : يا رب إن هؤلاء الذين أمرتني بإنذارهم وأرسلتني إليهم لدعائهم إليك ، قوم لا يؤمنون . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
قال : فأبر الله عز وجل قول محمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
قال : هذا قول نبيكم عليه الصلاة والسلام يشكو قومه إلى ربه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
وَقِيلِهِ يا رَبِّ
قال : هو قول النبي صلى الله عليه وسلم
إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
. القول في تأويل قوله تعالى :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، جوابا له عن دعائه إياه إذ قال : " يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون "
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ
يا محمد ، وأعرض عن أذاهم
وَقُلْ
لهم
سَلامٌ
عليكم ورفع سلام بضمير عليكم أو لكم . واختلفت القراء في قراءة قوله :
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة " فسوف تعلمون " بالتاء على وجه الخطاب ، بمعنى : أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك للمشركين ، مع قوله :
سَلامٌ
، وقرأته عامة قراء الكوفة وبعض قراء مكة
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
بالياء على وجه الخبر ، وأنه وعيد من الله للمشركين ، فتأويله على هذه القراءة :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ
يا محمد
وَقُلْ سَلامٌ
. ثم ابتدأ تعالى ذكره الوعيد لهم ، فقال
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
ما يلقون من البلاء والنكال والعذاب على كفرهم ، ثم نسخ الله جل ثناؤه هذه الآية ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم . كما : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ
قال : اصفح عنهم ، ثم أمره بقتالهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال الله تبارك وتعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
. آخر تفسير سورة الزخرف .