[ تفسير سورة الدخان ]
القول في تأويل قوله تعالى
حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . . .
مُنْذِرِينَ
. . . الْعَلِيمُ
قد تقدم بياننا في معنى قوله
حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ
وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
أقسم جل ثناؤه بهذا الكتاب ، أنه أنزله في ليلة مباركة . واختلف أهل التأويل في تلك الليلة ، أي ليلة من ليالي السنة هي ؟ فقال بعضهم : هي ليلة القدر . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
ليلة القدر ، ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، ونزلت التوراة لست ليال مضت من رمضان ، ونزل الزبور لست عشرة مضت من رمضان ، ونزل الإنجيل لثمان عشرة مضت من رمضان ، ونزل الفرقان لأربع وعشرين مضت من رمضان .
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
قال : هي ليلة القدر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله عز وجل :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
قال : تلك الليلة ليلة القدر ، أنزل الله هذا القرآن من أم الكتاب في ليلة القدر ، ثم أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام ، وفي غير ليلة القدر . وقال آخرون : بل هي ليلة النصف من شعبان . والصواب من القول في ذلك قول من قال : عني بها ليلة القدر ، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن ذلك كذلك لقوله تعالى :
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
خلقنا بهذا الكتاب الذي أنزلناه في الليلة المباركة عقوبتنا أن تحل بمن كفر منهم ، فلم ينب إلى توحيدنا ، وإفراد الألوهة لنا . وقوله :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
اختلف أهل التأويل في هذه الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ، نحو اختلافهم في الليلة المباركة ، وذلك أن الهاء التي في قوله :
فِيها
عائدة على الليلة المباركة ، فقال بعضهم : هي ليلة القدر ، يمضي فيها أمر السنة كلها من يموت ، ومن يولد ، ومن يعز ، ومن يذل ، وسائر أمور السنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا ربيعة بن كلثوم ، قال : كنت عند الحسن ، فقال له رجل :
يا أبا سعيد ، ليلة القدر في كل رمضان ؟ قال : إي والله ، إنها لفي كل رمضان ، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال :
ثنا ربيعة بن كلثوم ، قال : قال رجل للحسن وأنا أسمع : أرأيت ليلة القدر ، أفي كل رمضان هي ؟ قال : نعم والله الذي لا إله إلا هو ، إنها لفي كل رمضان ، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ، يقضي الله كل أجل وخلق ورزق إلى مثلها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الحميد بن سالم ، عن عمر مولى غفرة ، قال : يقال : ينسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها ، وذلك لأن الله عز وجل يقول :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
وقال
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
قال : فتجد الرجل ينكح النساء ، ويغرس الغرس واسمه في الأموات . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن سلمة ، عن أبي مالك ، في قوله :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
قال : أمر السنة إلى السنة ما كان من خلق أو رزق أو أجل أو مصيبة ، أو نحو هذا . قال : ثنا سفيان ، عن حبيب ، عن هلال بن يساف ، قال :
كان يقال : انتظروا القضاء في شهر رمضان . حدثنا الفضل بن الصباح ، قال : ثنا محمد بن فضيل ، عن حصين ، عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن في قوله :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
قال : يدبر أمر