وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَأَكْوابٍ
قال : الأكواب التي ليست لها آذان . ومعنى الكلام : يطاف عليهم فيها بالطعام في صحاف من ذهب ، وبالشرب في أكواب من ذهب ، فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب من ذكر الطعام والشراب ، الذي يكون فيها لمعرفة السامعين بمعناه " وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين " يقول تعالى ذكره : لكم في الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون ، وتلذ أعينكم
وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ
يقول : وأنتم فيها ماكثون ، لا تخرجون منها أبدا . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن سابط أن رجلا قال : يا رسول الله إني أحب الخيل ، فهل في الجنة خيل ؟ فقال : " إن يدخلك الجنة إن شاء ، فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء تطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت " ، فقال أعرابي : يا رسول الله إني أحب الإبل ، فهل في الجنة إبل ؟
فقال : " يا أعرابي إن يدخلك الله الجنة إن شاء الله ، ففيها ما اشتهت نفسك ، ولذت عيناك " . حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار ، عن محمد بن سعد الأنصاري ، عن أبي ظبية السلفي ، قال : إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة ، قال : فتقول : ما أمطركم ؟ قال : فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم ، حتى إن القائل منهم ليقول : أمطرينا كواعب أترابا . حدثنا ابن عرفة ، قال : ثنا مروان بن معاوية ، عن علي بن أبي الوليد ، قال : قيل لمجاهد في الجنة سماع ؟ قال : إن فيها لشجرا يقال له العيص ، له سماع لم يسمع السامعون إلى مثله . حدثني موسى بن عبد الرحمن ، قال : ثنا زيد بن حباب ، قال : أخبرنا معاوية بن صالح ، قال : ثني سليمان بن عامر ، قال : سمعت أبا أمامة ، يقول : " إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير ، فيقع متفلقا نضيجا في كفه ، فيأكل منه حتى تنتهي نفسه ، ثم يطير ، ويشتهي الشراب ، فيقع الإبريق في يده ، ويشرب منه ما يريد ، ثم يرجع إلى مكانه .
واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ
فقرأته عامة قراء المدينة والشام :
ما تَشْتَهِيهِ
بزيادة هاء ، وكذلك ذلك في مصاحفهم . وقرأ ذلك عامة قراء العراق " تشتهي " بغير هاء ، وكذلك هو في مصاحفهم . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : يقال لهم : وهذه الجنة التي أورثكموها الله عن أهل النار الذين أدخلهم جهنم بما كنتم في الدنيا تعملون من الخيرات .
لَكُمْ فِيها
يقول : لكم في الجنة
فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ
من كل نوع
مِنْها تَأْكُلُونَ
يقول : من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ . . .
وَما ظَلَمْناهُمْ
. . . الظَّالِمِينَ
يقول تعالى ذكره
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ
وهم الذين اجترموا في الدنيا الكفر بالله ، فاجترموا به في الآخرة
فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ
يقول : هم فيه ماكثون .
لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ
، يقول : لا يخفف عنهم العذاب وأصل الفتور : الضعف
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
يقول : وهم في عذاب جهنم مبلسون ، والهاء في فيه من ذكر العذاب . ويذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " وهم فيها مبلسون " والمعنى : وهم في جهنم مبلسون ، والمبلس في هذا الموضع : هو الآيس من النجاة الذي قد قنط فاستسلم للعذاب والبلاء .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
أي مستسلمون . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله :
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
قال : آيسون . وقال آخرون بما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ،