ابن إسحاق : قد سمعت بعض أهل العلم يقول : إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمران بن عامر ، وكانت كاهنة ، فرأت في كهانتها ذلك ، والله أعلم أي ذلك كان ؛ قال : فلما تفرقوا ، نزلوا على كهانة عمران بن عامر . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
يقول تعالى ذكره : إن في تمزيقنا هم كل ممزق
لَآياتٍ
يقول : لعظة وعبرة ودلالة على واجب حق الله على عبده من الشكر على نعمه إذا أنعم عليه ، وحقه من الصبر على محنته إذا امتحنه ببلاء لكل صبار شكور على نعمه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
كان مطرف يقول : نعم العبد الصبار الشكور ، الذي إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
فقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين :
وَلَقَدْ صَدَّقَ
بتشديد الدال من صدق ، بمعنى أنه قال ظنا منه :
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
وقال :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
ثم صدق ظنه ذلك فيهم ، فحقق ذلك بهم ، وباتباعهم إياه . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والشام والبصرة " ولقد صدق " بتخفيف الدال ، بمعنى : ولقد صدق عليهم ظنه . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى ؛ وذلك أن إبليس قد صدق على كفرة بني آدم في ظنه ، وصدق عليهم ظنه الذي ظن حين قال :
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
، وحين قال :
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
الآية ، قال ذلك عدو الله ، ظنا منه أنه يفعل ذلك لا علما ، فصار ذلك حقا باتباعهم إياه ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام على قراءة من قرأ بتشديد الدال : ولقد ظن إبليس بهؤلاء الذين بدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ، عقوبة منا لهم ، ظنا غير يقين ، علم أنهم يتبعونه ويطيعونه في معصية الله ، فصدق ظنه عليهم ، بإغوائه إياهم ، حتى أطاعوه ، وعصوا ربهم ، إلا فريقا من المؤمنين بالله ، فإنهم ثبتوا على طاعة الله ومعصية إبليس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، قال : أخبرني عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس أنه قرأ :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
مشددة ، وقال : ظن ظنا ، فصدق ظنه .
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
قال : ظن ظنا فاتبعوا ظنه . حدثنا ابن بشار قال : ثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
قال الله : ما كان إلا ظنا ظنه ، والله لا يصدق كاذبا ، ولا يكذب صادقا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
قال : أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم علي ، وفضلتهم وشرفتهم ، لا تجد أكثرهم شاكرين ، وكان ذلك ظنا منه بغير علم ، فقال الله :
فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ
يقول تعالى ذكره :
وما كان لإبليس على هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم من حجة يضلهم بها ، إلا بتسليطناه عليهم ، ليعلم حزننا وأولياؤنا
مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ
يقول : من يصدق بالبعث والثواب والعقاب
مِمَّنْ هُوَ مِنْها