غير أن البر منادى . والصواب من القراءة في ذلك عندنا :
رَبَّنا باعِدْ
و " بعد " لأنهما القراءتان المعروفتان في قراءة الأمصار وما عداهما فغير معروف فيهم ؛ على أن التأويل من أهل التأويل أيضا يحقق قراءة من قرأه على وجه الدعاء والمسألة ، وذلك أيضا مما يزيد القراءة الأخرى بعدا من الصواب . فإذا كان هو الصواب من القراءة ، فتأويل الكلام : فقالوا : يا ربنا باعد بين أسفارنا ، فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز ، لنركب فيها الرواحل ، ونتزود معنا فيها الأزواد ؛ وهذا من الدلالة على بطر القوم نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم ، وجهلهم بمقدار العافية ؛ ولقد عجل لهم ربهم الإجابة ، كما عجل للقائلين :
إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
أعطاهم ما رغبوا إليه فيه وطلبوا من المسألة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس ، قال : ثنا عبثر ، قال : ثنا حصين ، عن أبي مالك في هذه الآية :
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا
قال : كانت لهم قرى متصلة باليمن ، كان بعضها ينظر إلى بعض ، فبطروا ذلك ، وقالوا : ربنا باعد بين أسفارنا ، قال : فأرسل الله عليهم سيل العرم ، وجعل طعامهم أثلا وخمطا وشيئا من سدر قليل . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
قال : فإنهم بطروا عيشهم ، وقالوا : لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه ، فمزقوا بين الشام وسبأ ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل ، وشيء من سدر قليل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا
بطر القوم نعمة الله ، وغمطوا كرامة الله ، قال الله
وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا
حتى نبيت في الفلوات والصحاري
وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
وقوله
وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
وكان ظلمهم إياها عملهم بما يسخط الله عليهم من معاصيه ، مما يوجب لهم عقاب الله
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
يقول : صيرناهم أحاديث للناس يضربون بهم المثل في السبت ، فيقال : تفرق القوم أيادي سبا ، وأيدي سبا ، إذا تفرقوا وتقطعوا . وقوله
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
يقول : وقطعناهم في البلاد كل مقطع ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
قال قتادة : قال عامر الشعبي : أما غسان فقد لحقوا بالشام ، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب ، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة ، وأما الأزد فلحقوا بعمان . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : يزعمون أن عمران بن عامر ، وهو عم القوم كان كاهنا ، فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويتباعدون ، فقال لهم : إني قد علمت أنكم ستمزقون ، فمن كان منكم ذا هم بعيد ، وجمل شديد ، ومزاد جديد ، فليلحق بكأس أو كرود ، قال : فكانت وادعة بن عمرو ؛ ومن كان منكم ذا هم مدن ، وأمرد عن ، فليلحق بأرض شن ، فكانت عوف بن عمرو ، وهم الذين يقال لهم بارق ؛ ومن كان منكم يريد عيشا آينا ، وحرما آمنا ، فليلحق بالأرزين ، فكانت خزاعة ؛ ومن كان يريد الراسيات في الوحل ، المطعمات في المحل ، فليلحق بيثرب ذات النخل ، فكانت الأوس والخزرج فهما هذان الحيان من الأنصار ؛ ومن كان يريد خمرا وخميرا ، وذهبا وحريرا ، وملكا وتأميرا فليلحق بكوثى وبصرى ، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام ومن كان منهم بالعراق . قال