تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
بأعمالهم . وقوله :
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
يقول تعالى ذكره : هذا الذي فعلنا بهؤلاء القوم من سبأ من إرسالنا عليهم سيل العرم ، حتى هلكت أموالهم ، وخربت جناتهم ، جزاء منا على كفرهم بنا ، وتكذيبهم رسلنا ؛ " وذلك " من قوله :
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ
في موضع نصب بوقوع جزيناهم عليه ؛ ومعنى الكلام : جزيناهم ذلك بما كفروا . وقوله :
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة ، وبعض أهل الكوفة : " وهل يجازي " بالياء وبفتح الزاي على وجه ما لم يسم فاعله " إلا الكفور " رفعا . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة :
وَهَلْ نُجازِي
بالنون وبكسر الزاي
إِلَّا الْكَفُورَ
بالنصب . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . ومعنى الكلام : كذلك كافأناهم على كفرهم بالله ، وهل يجازى إلا الكفور لنعمة الله ؟ . فإن قال قائل : أو ما يجزي الله أهل الإيمان به على أعمالهم الصالحة ، فيخص أهل الكفر بالجزاء ؟ فيقال وهل يجازى إلا الكفور ؟ قيل : إن المجازاة في هذا الموضع : المكافأة ، والله تعالى ذكره وعد أهل الإيمان به التفضل عليهم ، وأن يجعل لهم بالواحدة من أعمالهم الصالحة عشر أمثالها إلى ما لا نهاية له من التضعيف ، ووعد المسئ من عباده أن يجعل بالواحدة من سيئاته ، مثلها مكافأة له على جرمه ، والمكافأة لأهل الكبائر والكفر والجزاء لأهل الإيمان مع التفضل ، فلذلك قال جل ثناؤه في هذا الموضع : " وهل يجازى إلا الكفور " ؟ كأنه قال جل ثناؤه : لا يجازى : لا يكافأ على عمله إلا الكفور ، إذا كانت المكافأة مثل المكافأ عليه ، والله لا يغفر له من ذنوبه شيئا ، ولا يمحص شيء منها في الدنيا . وأما المؤمن فإنه يتفضل عليه على ما وصفت . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
وَهَلْ نُجازِي
نعاقب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
إن الله تعالى إذا أراد بعبده كرامة تقبل حسناته ، وإذا أراد بعبده هوانا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافى به يوم القيامة . قال : وذكر لنا أن رجلا بينما هو في طريق من طريق المدينة ، إذا مرت به امرأة ، فأتبعها بصره ، حتى أتى على حائط ، فشج وجهه ، فأتى نبي الله ووجهه يسيل دما ، فقال : يا نبي الله فعلت كذا وكذا ، فقال له نبي الله : " إن الله إذا أراد بعبد كرامة ، عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا ، وإذا أراد الله بعبد هوانا أمسك عليه ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة ، كأنه عبر أبتر " . القول في تأويل قوله تعالى :
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً . . .
آمِنِينَ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن نعمته التي كان أنعمها على هؤلاء القوم الذين ظلموا أنفسهم . وجعلنا بين بلدهم وبين القرى التي باركنا فيها وهي الشام ، قرى ظاهرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله :
الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها
قال : الشام . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها
يعني الشام . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد
الْقُرَى
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 57 | محمد بن جرير الطبري