الجنتين من زروعهما وأثمارهما ،
وَاشْكُرُوا لَهُ
على ما أنعم به عليكم من رزقه ذلك ؛ وإلى هذا منتهى الخبر ، ثم ابتدأ الخبر عن البلدة ، فقيل : هذه بلدة طيبة : أي ليست بسبخة ، ولكنها كما ذكرنا من صفتها عن عبد الرحمن بن زيد أن كانت كما وصفها به ابن زيد ، من أنه لم يكن فيها شيء مؤذ ، الهمج والدبيب والهوام
وَرَبٌّ غَفُورٌ
يقول : ورب غفور لذنوبكم إن أنتم أطعتموه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
وربكم غفور لذنوبكم ، قوم أعطاهم الله نعمة ، وأمرهم بطاعته ، ونهاهم عن معصيته . القول في تأويل قوله تعالى :
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ
. . . هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
يقول تعالى ذكره : فأعرضت سبأ عن طاعة ربها وصدت عن اتباع ما دعتها إليه رسلها من أنه خالقها ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن وهب بن منبه اليماني ، قال : لقد بعث الله إلى سبأ ، ثلاثة عشر نبيا ، فكذبوهم
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
يقول تعالى ذكره : فثقبنا عليهم حين أعرضوا عن تصديق رسلنا سدهم الذي كان يحبس عنهم السيول . والعرم : المسناة التي تحبس الماء ، واحدها : عرمة ، وإياه عنى الأعشى بقوله :
ففي ذاك للمؤتسي أسوة * ومأرب عفى عليه العرم
رجام بنته لهم حمير * إذا جاء ماؤهم لم يرم
وكان العرم فيما ذكر مما بنته بلقيس . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، قال : ثني وهب بن جرير ، قال : ثنا أبي ، قال : سمعت المغيرة بن حكيم ، قال : لما ملكت بلقيس ، جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم ؛ قال : فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها فتركت ملكها ، وانطلقت إلى قصر لها ، وتركتهم ؛ فلما كثر الشر بينهم ، وندموا أتوها ، فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها ، فأبت ، فقالوا : لترجعن أو لنقتلنك ، فقالت : إنكم لا تطيعونني ، وليست لكم عقول ، ولا تطيعوني ، قالوا : فإنا نطيعك ، وإنا لم نجد فينا خيرا بعدك ، فجاءت فأمرت بواديهم ، فسد بالعرم . قال أحمد ، قال وهب ، قال أبي جرير : فسألت المغيرة بن حكيم عن العرم ، فقال : هو بكلام حمير المسناة ؛ فسدت ما بين الجبلين ، فحبست الماء من وراء السد ، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض ، وبنت من دونه بركة ضخمة ، فجعلت فيها اثنى عشر مخرجا على عدة أنهارهم ؛ فلما جاء المطر احتبس السيل من وراء السد ، فأمرت بالباب الأعلى ففتح ، فجرى ماؤه في البركة ، وأمرت بالبعر فألقي فيها ، فجعل بعض البعر يخرج أسرع من بعض ، فلم تزل تضيق تلك الأنهار ، وترسل البعر في الماء ، حتى خرج جميعا معا ، فكانت تقسمه بينهم على ذلك ، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان . حدثنا أحمد بن عمر البصري ، قال : ثنا أبو صالح بن زريق ، قال :
أخبرنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، في قوله
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
قال : المسناة بلحن اليمن . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال :
ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
سَيْلَ الْعَرِمِ
قال : شديد .
وقيل : إن العرم : اسم واد كان لهؤلاء القوم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ،