ثم قال : لم يعرضوا عنه لأنهم لا يفهمون معانيه ، بل يفهمونها ، لأنه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين بلسانهم العربي ، ولكنهم أعرضوا عنه تكذيبا به واستكبارا
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
. كما أتى هذه الأمم التي قصصنا نبأها في هذه السورة حين كذبت رسلها أنباء ما كانوا به يكذبون . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ . . .
أَنْ يَعْلَمَهُ
. . . سَلَكْناهُ
يقول تعالى ذكره : وإن هذا القرآن لفي زبر الأولين : يعني في كتب الأولين ، وخرج مخرج العموم ومعناه الخصوص ، وإنما هو : وإن هذا القرآن لفي بعض زبر الأولين ؛ يعني : أن ذكره وخبره في بعض ما نزل من الكتب على بعض رسله . وقوله :
أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
يقول تعالى ذكره : أو لم يكن لهؤلاء المعرضين عما يأتيك يا محمد من ذكر ربك ، دلالة على أنك رسول رب العالمين ، أن يعلم حقيقة ذلك وصحته علماء بني إسرائيل . وقيل : عني بعلماء بني إسرائيل في هذا الموضع : عبد الله بن سلام ومن أشبهه ممن كان قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل في عصره . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
قال : كان عبد الله بن سلام من علماء بني إسرائيل ، وكان من خيارهم ، فآمن بكتاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم الله : أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وخيارهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال :
ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
قال : عبد الله بن سلام وغيره من علمائهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً
قال محمد :
أَنْ يَعْلَمَهُ
قال : يعرفه .
عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
. قال ابن جريج ، قال مجاهد : علماء بني إسرائيل : عبد الله بن سلام ، وغيره من علمائهم . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
قال : أو لم يكن للنبي آية ، علامة أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم . وقوله :
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
يقول تعالى ذكره : ولو نزلنا هذا القرآن على بعض البهائم التي لا تنطق ، وإنما قيل على بعض الأعجمين ، ولم يقل على بعض الأعجميين ، لأن العرب تقول إذا نعتت الرجل بالعجمة وأنه لا يفصح بالعربية : هذا رجل أعجم ، وللمرأة : هذه امرأة عجماء ، وللجماعة : هؤلاء قوم عجم وأعجمون ، وإذا أريد هذا المعنى وصف به العربي والأعجمي ، لأنه إنما يعني أنه غير فصيح اللسان ، وقد يكون كذلك ، وهو من العرب ومن هذا المعنى قول الشاعر :
من وائل لا حي يعدلهم * من سوقة عرب ولا عجم
فأما إذا أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم ، لا وصفه بأنه غير فصيح اللسان ، فإنه يقال : هذا رجل عجمي ، وهذان رجلان عجميان ، وهؤلاء قوم عجم ، كما يقال : عربي ، وعربيان ، وقوم عرب .
وإذا قيل : هذا رجل أعجمي ، فإنما نسب إلى نفسه كما يقال للأحمر : هذا أحمري ضخم ، وكما قال العجاج :
والدهر بالإنسان دواري
ومعناه : دوار ، فنسبه إلى فعل نفسه . وبنحو الذي قلنا في تأويل